ووردنا ماء في رقة النسيم، ولذاذة بنت الكروم، فشربنا وطعمنا، وقرينا سباع الفلاة، مما فضل عن الكماة؛ ونقشت على مرمرة بيضاء، ساعة وردنا ذلك الماء:
يا رب ماء عازب مجه ... مزن هزيم الودق في سبسب
زبرجد جلله مكثه ... غشاء ديباج من الطحلب
إن كان فيما قد مضى موردًا ... فللعطاش الأسد والأذؤب
باكرته مع كل ذي همة ... لا يرتضي الأفلاك عن مركب
ولغط الطير بأرجائه ... كلغط الصبية في المكتب
فانقض من أيماننا كوكب ... ذو ناظر أنور من كوكب
مكحل الآماق ذو منسر ... يسترزق الرحمن من مخلب
فاستشعر الطير هروبًا وهل ... عن نازل المقدور من مهرب
فصاد ما أوسع صحبي قرى ... وفاض في الأبعد والأقرب
صيد لعمري لم يعبه سوى ... أن لم يكن نقلًا على مشرب ثم لم نزل نسري سرى النجوم في الدياجي، إذ تلقانا شاب كما ذهب عقيق خديه، ونم شاربه بالتذكير عليه، متقلد حسام كأنما طبع من لحظه لا من لفظه، على جواد ظمآن الأسافل كخصريه، ريان الأعالي كردفيه؛ تستعيذ عيون البررة من النظر إليه، وتزدحم أطماع الفجرة حواليه:
ذو مقلة شهلاء رومية ... وذو لسان عربي مبين
قلت وقد عيب بتثليثه ... مقال ذي رأي وعقل رصين
طلعته الدنيا و[يا] قلما ... يجمع للإنسان دنيًا ودين