واستدلالنا لما ستكون عليه الأشياء في الخبرة المقبلة مما كانت عليه في الخبرة الماضية ليس من قبيل الاستدلال البرهاني الاستنباطي الذي يجعل النتيجة جزءا محتوما من مقدمتها، بحيث يستحيل تصور نقيضها، بل هو من قبيل الاستدلال الاستقرائي الاحتمالي، الذي يجعل النتيجة حقيقة مختلفة عن المقدمة، وإنما حكمنا بها على سبيل الاحتمال، مقرين في الوقت نفسه بإمكان أن يجيء المستقبل على غير ما جاء به الماضي، وأن تغير الطبيعة من مجراها، بحيث يصبح نفس الشيء الذي ألفناه فيما مضى ذا فعل خاص، وقد تغير أمره ولم يعد له ذلك الفعل الذي ألفناه؛ أليس في مستطاعي أن أتصور تصورا محددا واضحا أن جسما ساقطا من السحاب، ويشبه الثلج في كل مظاهره، ومع ذلك أجد مذاقه ملحا، وأجده عند اللمس لاسعا كالنار؟ هل هناك استحالة عقلية في أن أتصور الشجر وقد أورق في الشتاء وذوت أوراقه في الصيف؟ وما دام الأمر في حدود التصور الواضح ، إذن فهو عند العقل ممكن الوقوع، وإذن فلا استحالة فيه ولا تناقض، ولا يمكن البرهنة على بطلانه برهانا يقوم على العقل المجرد بغض النظر عن الخبرة ومضمونها.
47
كل أحكامنا التي نبنيها على أساس خبراتنا الماضية، قائمة على أساس التشابه بين الأشياء، فإذا وقعت على شيء أراه شبيها بما صادفته قبلئذ، حكمت عليه بنفس الأحكام التي صدقت على ذلك الشبيه، إذا دلت خبرتي الماضية على أن الفاكهة التي من حجم معين ولون معين وشكل معين طعمها فيه حلاوة ممزوجة بقليل من مرارة، ثم وجدت فاكهة شبيهة بتلك في حجمها ولونها وشكلها توقعت أن يكون في طعمها كذلك حلاوة ممزوجة بقليل من مرارة ... لكن حكمي هذا وإن يكن قائما على الخبرة الماضية وحدها - لا على حكم العقل الصرف - ونقضيه ممكن الوقوع، إلا أنه «لا ينازع في سلطان الخبرة علينا، ولا يتنكر لهذا السند الذي يهدينا في حياتنا البشرية، إلا أحمق أو مجنون».
48
فلا يجوز لك أن تقول إنه ما دامت الخبرة الماضية لا تدلني على ما عساه أن يقع لي في الخبرة المقبلة إلا على سبيل الترجيح الذي لا يقين فيه، إذن فلأرفض هذا المصدر ولأبحث عن مصدر سواه يأتيني بالعلم اليقين؛ فقد حبتنا الطبيعة هذه الهداية في العلم بما يحيط بنا من أشياء، ولا مندوحة لنا عن الاهتداء برشدها، بحيث نتوقع من الأسباب المتشابهة نتائج متشابهة.
الخصائص الظاهرة للأشياء، تلك الخصائص التي تقع انطباعاتها على حواسنا، لا تدل بذاتها على ما يترتب عليها من نتائج، فلون البرتقالة - مثلا - واستدارتها وطعمها ليست وحدها بكافية للدلالة على مدى ما فيها من غذاء يبني الجسم الإنساني؛ فلا بد إذن من التجربة والخبرة، مرة ومرة ومرة، حتى إذا ما وجدت هذه الخصائص يتبعها تغذية على النحو الفلاني، استطعت في مقبل خبرتي أن أتوقع نفس النتيجة الغذائية إذا ما رأيت مجموعة الخصائص الظاهرة من لون واستدارة وغيرهما؛ ونعيد هنا ما أسلفناه لك من قول، وهو أن حكمك في حالة الخبرة المستقبلة ليس استدلالا يقينا لازما عن حالة خبرتك السابقة، ومع ذلك فهو وسيلة لا بد منها لنسلك سبيلنا في حياتنا العملية؛ إن تكرارك للخبرة المعينة آلاف المرات، ووصولك في كل هذه المرات إلى النتيجة عينها، لا يجعل استدلالك للخبرة الجديدة التي من نفس النوع استدلالا يقينيا؛ لأن هنالك دائما الإمكان العقلي بأن تغير الطبيعة مجراها فلا تأتي الأشياء على غرار ما أتت، بل إنه قد يحدث فعلا في بعض الحالات أن تتوقع شيئا مستعينا بخبرتك الماضية، فإذا هذا الذي تتوقعه لا يجيء على نحو ما توقعت له أن يجيء، وما دام هذا الانحراف ممكنا أحيانا، فلماذا لا يمكن دائما؟ بأي منطق، وبأي العمليات العقلية تستطيع أن تتقي هذا الخطأ الممكن؟ كيف السبيل إلى إزالة هذا الشك عما ستجيء عليه حوادث المستقبل إزالة تامة؟ ولا تقل إنها خبرة الماضي تهديني سواء السبيل، لأن خبرة الماضي منصرفة إلى الماضي الذي وقع وليست بذاتها دليلا على الجديد الذي لم يقع بعد وينتظر له أن يقع غدا أو بعد غد؛ «إنني مثلك على أتم اقتناع بأن خبرة المستقبل يمكن قياسها على خبرة الماضي، لكني مقتنع بذلك باعتباري إنسانا مثلك يسلك ليعيش، أما باعتباري فيلسوفا له نصيب من التطلع - ولا أقول من التشكك - فإني أبحث عن أساس هذا الاستدلال ما هو، فليس فيما قرأته، وما قمت به من أبحاث بقادر على أن يزيل عني هذا الإشكال، أو يبعث في نفسي بعض الرضى في أمر له كل هذا الخطر.»
49 (3-3) نوعان من الاحتمال
انتهى هيوم - بما أسلفناه لك من جوانب مذهبه - إلى نتيجة خطيرة، وهي أن كافة القضايا التي تدور حول العالم الطبيعي احتمالية لا يقينية، ولا يقين إلا إذا كانت القضية قائمة على تحليل العلاقة بين فكرة وفكرة أخرى، أعني أنه لا يقين إذا ما جاوز الإنسان دائرة أفكاره إلى حيث الخبرات الحسية؛ ولماذا يكون اليقين في دائرة الفكر ولا يكون في مجال الحس؟ لأننا في الحالة الأولى نحلل ما هنالك ولا نضيف علما جديدا؛ إذ نحلل فكرة معينة كفكرة المثلث - مثلا - لنبرز بعض عناصرها ثم نبين الرابطة بين هذه العناصر الفرعية والفكرة الرئيسية التي حللناها، فكأنما نحن نكرر ما قد أثبتناه في الفكرة الرئيسية، نكرره بذكرنا لبعض العناصر التي هي بين مقدماتها؛ وهذا هو التفكير الرياضي وما يدور مداره، فمثل هذا التفكير الرياضي لا يزيد على أن يحلل فروضا أولية ليستخرج من جوفها ما هي مشتملة عليه من عناصر، فيكون هذا المستخرج المستنبط هو «النظريات» الرياضية التي يستحيل أن تكون موضع شك ما دمنا قد سلمنا بتلك الفروض الأولية التي هي أصل لها، ومن ثم كان صواب النظريات الرياضية لا شأن له البتة بما هو واقع في عالم الطبيعة الخارجي.
أما في العلوم الطبيعية، حيث تكون القضايا تقريرات عن خبراتنا الحسية المكسوبة من مسنا لظواهر العالم الطبيعي بهذه الحاسة من حواسنا أو تلك، فالأمر على خلاف ذلك؛ لأننا عندئذ لا يسعنا إلا أن نقرر عما قد خبرناه فعلا؛ فإذا ما أردنا أن نتخذ من هذه الخبرات السابقة ذريعة للحكم على خبرات شبيهة بها ينتظر لها أن تحدث في مقبل الأيام، جاوزنا بذلك حدود المنطق؛ لأننا عندئذ سنكون بمثابة من يقضي بأن المستقبل ستأتي حوادثه على غرار الماضي، وهذا في ذاته زعم ليس لدينا ما يبرره من داخل الخبرة نفسها ... وإذن، فلو حكمت على خبرة المستقبل بما حكمت به على خبرة الماضي، كان ذلك على سبيل الاحتمال لا اليقين.
ولقد سبق فلاسفة آخرون هيوم في التنبه إلى هذه التفرقة بين ضربين من معارف الإنسان: أولهما يقيني لأنه نابع من المقارنة بين أفكارنا العقلية وحدها، والثاني احتمالي لأنه مستند إلى الحواس وانطباعاتها؛ وكان هؤلاء الفلاسفة يضنون باسم «المعرفة» على هذا الضرب الثاني، ويقصرون استعماله على الضرب الأول وحده؛ إذ إن المعرفة عندهم لا تكون كذلك إلا إذا كانت يقينا لا يحتمل التغير أو الشك.
Bilinmeyen sayfa