227

فلازمته على ما ذكرت من القراءة عليه والخدمة له عشر سنين، ثم أصابه مرض يوما من الدهر، فتخلف عن حضور مجلس أقرانه، وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون مسائل من العلوم، إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قول الله عز وجل على لسان نبيه عيسى عليه السلام في الإنجيل: (إنه يأتي من بعده نبي اسمه "البارقليط" (¬5))، فبحثوا في تعيين هذا النبي من هو من الأنبياء؟، وقال كل واحد منهم بحسب علمه وفهمه، فعظم بينهم في ذلك مقالهم، وكثر جدالهم، ثم انصرفوا من غير تحصيل فائدة في تلك المسألة، فأتيت مسكن الشيخ صاحب الدرس المذكور، فقال لي: "ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم؟ "، فأخبرته باختلاف القوم في اسم "البارقليط" وأن فلانا قد أجاب بكذا، وأجاب فلان بكذا وسردت له أجوبتهم، فقال لي: "وبماذا أجبت أنت؟ "، فقلت: "بجواب القاضي فلان في تفسيره الإنجيل"، فقال لي: "ما قصرت، وقربت، وفلان أخطأ، وكاد فلان أن يقارب، ولكن الحق خلاف هذا كله، لأن تفسير هذا الاسم الشريف لا يعلمه إلا العلماء الراسخون في العلم، وأنتم لم يحصل لكم من العلم إلا القليل"، فبادرت إلى قدميه أقبلهما، وقلت له: "يا سيدي قد علمت أني ارتحلت إليك من بلد بعيد، ولي في خدمتك عشر سنين"، حصلت عنك فيها من العلوم جملة لا أحصيها فلعل من جميل إحسانكم أن تمنوا علي بمعرفة هذا الاسم" .... فبكى الشيخ، وقال لي: "يا ولدي .. والله أنت لتعز على كثيرا في أجل خدمتك لي، وانقطاعك إلي، في معرفة هذا الاسم الشريف فائدة عظيمة، لكني أخاف عليك أن يظهر ذلك عليك، فتقتلك عامة النصارى في الحين"، فقلت له: "يا سيدي والله العظيم وحق الإنجيل ومن جاء به لا أتكلم بشيء مما تسره إلي إلا عن أمرك"، فقال لي: "يا ولدى إني سألتك في أول قدومك علي عن بلدك، وهل هو قريب من المسلمين؟ وهل يغزونكم أو تغزونهم لأختبر ما عندك من المنافرة للإسلام، فاعلم يا ولدى أن "البارقليط" هو اسم من أسماء نبيهم محمد (¬6) - صلى الله عليه وسلم - وعليه نزل الكتاب الرابع المذكور على لسان دانيال (¬7) عليه السلام وأخبر أنه سينزل هذا الكتاب عليه، وأن دينه هو دين الحق، وملته هي الملة البيضاء المذكورة في الإنجيل"، قلت له: "يا سيدي وما تقول في دين هؤلاء النصارى؟ "، فقال لي: "يا ولدى لو أن النصارى أقاموا على دين عيسى الأول لكانوا على دين الله، لأن عيسى وجميع الأنبياء دينهم دين الله، ولكن بدلوا وكفروا".

فقلت له: "يا سيدي وكيف الخلاص من هذا الأمر؟ "، فقال: "يا ولدي بالدخول في دين الإسلام"، قلت له: "وهل ينجو الداخل فيه؟ "، قال لي: "نعم ينجو في الدنيا والآخرة "، فقلت:

Sayfa 231