وقفت في مدخل دكان قبورجي يطرز الحرير والجوخ والكشمير بخيط معدني في إبرة معقوفة. ولمحت طوبة بجوار الحائط فأعددت المسمار في يدي.
تابعت العساكر بركن عيني وهم يتضاحكون دون أن يغيب عنهم تأمل المارة والتمعن فيهم.
ظهر حاو معه صنبور تسيل منه المياه ثم تنقطع فجأة لتسيل بعد لحظات وذلك حسب أمره. وتجمع بعض الصبية وجعلوا يهللون. ولم ينطل الأمر على الفرنساوية فأخذوا يسخرون منه. عندئذ أخرج كأسا وتحدث طويلا بمداعبات وتهريج، ثم نفخ في قوقعة كبيرة ورفع غطاء الكأس فظهرت بيضة، ثم قلب الكأس ورفع غطاء قاعه فظهر كتكوت. التف العساكر حوله وجعل الفرنساوية يمازحونه. وانشغلوا عن الباب . ورأيت في الجدل الدائر فرصتي فانحنيت وتناولت الحجر، وأخرجت الورقة من صدري وعلقتها على جدار الباب ودققت المسمار، ثم رميت الطوبة وابتعدت على الفور وقلبي يدق بشدة في صدري.
الثلاثاء 17 مارس
مضيت في عكس الاتجاه الذي سرت فيه أمس. ولم تكن المسافة بعيدة بين الصنادقية وباب زويلة. كان الشارع مزدحما كعادته بالباعة والمشترين والعابرين، وكثير منهم يعصبون عيونهم التي أكلها الرمد. وكان السقاءون يهرعون بأجراسهم بين الدواب المحملة بالبضائع متجهة إلى الوكالات أو إلى خارج المدينة. وامتدت على الجانبين أكبر الوكالات والحوانيت بواجهاتها المزخرفة بالرخام الملون ومداخلها التي نقشت عليها أسماء من شيدها من السلاطين والأمراء.
واصلت السير في اتجاه باب زويلة. مررت بسوق القوافين صناع الجلود والأحذية. اقتربت من الباب ووقفت بجوار سبيل. وكانت هناك جمال تفرغ قرب الماء به.
انتابني شعور بالتشاؤم وأنا أقرأ الفاتحة كعادة من يمر بالباب الذي شنق العثمانيون فوقه منذ أكثر من مائتي سنة طومان باي آخر سلاطين المماليك.
حالفني الحظ إذ لم أجد عنده حرسا، فتناولت طوبة من الأرض وأخرجت ورقة ومسمارا من جيبي، وأخذت في دق الورقة وإذا بعسكري يصرخ علي فجريت. وجرى العسكري وعدد من الأشخاص خلفي. رأيت باب دار مفتوحا فدخلت منه. وحالفني الحظ مرة أخرى إذ كانت دارا نافذة فخرجت من بابها الآخر بينما كانوا ينتظرونني أمامها.
9
الثلاثاء 24 مارس
Bilinmeyen sayfa