Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
إيوائهم إلى كهوف وصاله ، وضلال جماله ، وحصون أنسه ، وقصور قدسه بذلوا مهجتهم لله بلا نصب لأنفسهم ، وطلبوه منه ، ودخلوا في مزار قربه ، ومساقط أنوار شهوده ، فلما استقاموا في منازل الأنس ، ومشاهدة القدس ورأوا محبوبهم بنعت الرعاية والكلاءة ، هيجهم نور البسط ، وسر الافتقار إلى سؤال زيادة القربات والمدانات.
( فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ) معرفة كاملة وتوحيدا عزيزا ( وهيئ لنا من أمرنا رشدا ) من أمر محبتك ( رشدا ) صبابتك والوصول إلى وصال قدمك الذي بلا زوال ولا امتحان ، فهناك مقيل السعادة الكبرى ، ومراقد المشاهدة الكبرى.
قال الأستاذ : آواهم إلى كهف بظاهرهم ، وفي الباطن مهد مقيلهم في ظل إقباله وعنايته ، ثم أخذهم عنهم وقام عنهم فأجرى عليهم الأحوال ، وهم مصطلمون عن شواهدهم ، فلما عاينوا من الكشف الأكبر ، والرضوان الأعظم ، استطابوا الوقت ، وخافوا الفوت ، والتجئوا منه إليه ، فألطف عليهم الحق سبحانه ، فغيبهم عن الوجود ، وأخذهم بنفسه عن وجودهم بقوله : ( فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ) ذكر واحدا من الإحساس وجميعها مستغرقة في أنوار وطأة هيبة الجلال عليهم ، لما سترهم وضرب عليهم سرادق غيرته ، بقي عليهم حس الاذان ، فضرب على آذانهم ستر الغيرة ؛ حتى لا يحسوا أصوات الأغيار أدخلهم في قباب عصمته ، وأنسهم بحسن مشاهدته ، وغيبهم عنهم فيه وزال عنهم رسوم البشرية ، فبقوا مع الحق بالحق ناظرا إلى الحق بلا فترة.
( فضربنا على آذانهم ) أي : أنمناهم نومه الغفلة عن عالمهم وكمالهم نومة ثقيلة لا ينبههم صفير الخفير ، ولا دعوى الداعي الخبير في كهف البدن ( سنين ) ذوات عدد أي : كثيرة أو معدودة أي : قليلة هي مدة انغماسهم في تدبير البدن وانغمارهم في بحر الطبيعة مشتغلين بها غافلين عما وراءها من عالمهم إلى أوان بلوغ الأشد الحقيقي ، والموت الإرادي والطبيعي ، كما قال : «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» (1).
وفيه نكتة لطيفة : لما رأوا الحق بهتوا في أنوار قدمه ، وفنوا في سطوت عظمته ، وذهبوا عن مقام سماع الخطاب لو بقي عليهم سماع الخطاب ، لم يستحكموا في مقام الخطاب على حد الرضا مقام الاستلذاذ والأنس والبسط والبقاء ، فأفناهم عنها لاستيفاء حظ التوحيد والفناء عنهم.
وأيضا : صارت أسماع الظاهر إلى سماع بواطنهم ، فسمعوا بأسماع القلوب والأرواح
Sayfa 400