Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
انظر كيف كان أدبه عليه السلام حيث لم يذكر زليخا ، وذكر النسوة ، وغرضه في ذلك زليخا ، ولكن أخرج نفسه من محل التهمة باللطف والرمز فيه ، كأنه قال للرسول : ( ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) في وجهي ، واستغراقهن في حبي ، كأنه تكلم من ألم سره من آلام سرهن ، وفيه ما فيه من لطائف الإشارات ، وغرضه من تفحص إثبات الحجة على قومه ، وبيان طهارته من علة الزنا حتى لا يشوش اعتقادهم في شأن نبوته ورسالته ؛ لأنه ينظر إلى الخلق وجاههم ، فإنه كان في محل التمكين من التوكل والرضا ؛ فقوله : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ): مظنة هذه المعاني لم أخنه في غيبته بنظر السوء إلى أهله.
وأيضا : لم أخنه في غيب خاطري بميل سري إلى غير الله ، وكيف أحزن ، وهو تعالى لا يهدي الخائن إلى مراده ؛ لأن من خان لا يظفر بما يريد ، ولا يهدي من طبعه الخيانة إلى محبته ومعرفته ومشاهدته.
قال ابن عطاء : لم أخونه فيما يتمني من الأهل والمال.
وقال سهل : لم أنقص له عهدا ولم أكشف له سرا.
وقال الأستاذ في قوله : ( ليعلم أني لم أخنه بالغيب ): بيان الشكر لما عصمت الله ، ولما قال : إني لم أخنه بالغيب عارضه لسان الحق في السر فيما هم بقوله : ( ولقد همت به وهم بها ).
وقال أهل التفسير : لما قال يوسف عليه السلام هذه المقالة قال له جبريل عليه السلام : ولا حين همت بها ؛ فلما سمع يوسف عليه السلام أصوات الغيب بتغيير سره أدرك ما فاته من غيبته عن مراعاته النفس ، ولزم لسانها بالدعاوي واعتذر بقوله : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي )، مقالة الأولى من يوسف عليه السلام خبر عن بدايته في وقوعه في البلاء ، وهناك جبلة النبوة المقدسة عن التهمة ، وما جرت في البين هو لطيفة
الله من قهره وامتحانه ، وغلبه قدره السابق على رسوم الأمر ، وما ذكر في العذر خبر من تلك اللطيفة.
وافهم : إن سر قوله : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) ، إن هذه النفس ليست لشيطان ، ولا قلب ، ولا ملك ، ولا عقل ، ولا لشيء له أعين يتبين لأحد ، فبعضهم يسمي النفس الهوى ، وبعضهم يسمي النفس الطبيعة والبشرية ، وميلها إلى الشهوة يسمي النفس ، وهذه الأقوال هي صورة رسوم العلم وحقيقتها ، والله أعلم.
إنما هي وجود قهر القدم يظهر فغلبته في الفعل ، ويحرك طباع الإنسانية المستعدة المخلوقة لقبول ما يصدر من القهريات مما يؤول أواخره إلى سخط الله ، وامتحانه ، وحجابه ،
Sayfa 177