Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
قلبه ، ودم القلب من ذبح الله إياه بسيف محبته ، وليس كذلك ، فإن دم المقتولين بسيف المحبة دم صدق يصدق صاحبه في عيون الصادقين.
قال عليه السلام : «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ، ومن كذب وقع كذبه في قلوب العوام» (1).
والعجب أن ما يطلع عليه العوام كيف لا تطلع عليه قلوب الأنبياء والصديقين ، هاجت طبيعتهم بسر الحسد ، فيتولد منه الكذبات والجنايات ؛ لأن مثل الحسد كالنار المخفية في الزبد ، فإذا خرجت يحترق العالم بها.
قال الحسين بن الفضل : لما كذبوا في إجداء الأمر بقولهم : ( فأكله الذئب ): رجعوا في آخر الحال عند الاعتذار إلى الكذب حين قالوا : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ): بين الله سبحانه بقوله : ( بل سولت لكم أنفسكم ) فراسة يعقوب عليه السلام ، واطلاعه على أسرارهم في المكر ، وعرفهم سر مكائد نفوسهم ولم يعرفوها ، والأنفس هاهنا أسرار تقدير قهر الأزل ؛ أي أنتم مخدوعون بخداعكم ، وأنا لا أرى في البين غير سابق التقدير ، فألبس سربال الصبر الجميل في مراد الجليل ، والصبر الجميل ما يصبر به صاحبه بالله لا بنفسه بنعت شهود سره مشاهدة المقدر والمبتلى في بلائه تقديره.
قال تعالى : ( وما صبرك إلا بالله )، وقال سبحانه : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا )، وتحقيق هذا الصبر سكون القلب بما يجري عليه الرب سبحانه بنعت ذوقه صفاء الذكر ، وإدراك رؤية المذكور ، وتحقيق ذلك قوله تعالى : ( والله المستعان على ما تصفون ) أي : استعانتي في بلائه وصبري به لا بغيره.
وأنشد الشبلي في حقائق الصبر :
عبرات خططن في الخد سطرا
فقراء من لم يحسن يقرأ صابر الصبر
قال الحسين : الصبر الجميل السكون إلى موارد القضاء سرا وعلنا.
وقال أيضا : الصبر الجميل تلقي المحنة بمشاهدة المنة.
قال الحكيم الترمذي : الصبر الجميل أن يلقي العبد عنانه إلى مولاه ويسلم إليه نفسه مع حقيقة المعرفة ، فإذا جاءه حكم من أحكامه ثبت له مسلما بوارد الحكم ، ولا يظهر بورود حكمه جزعا بحال.
Sayfa 154