Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
ما ينفقون حرج ): وصف الله زمرة أهل المراقبات ، ومجالس المحاضرات ، والهائمين في المشاهدات ، والمستغرقين في بحار الأزليات الذين أنحلوا جسومهم بالمجاهدات ، وأمرضوا نفوسهم بالرياضات ، وأذابوا قلوبهم بدوام الذكر وجولانها في الفكر ، وخرجوا بعقائدهم الصافية عن الدنيا الفانية بمشاهدته الباقية ، بأن رفع عنهم بفضله حرج الامتحان ، وأبقاهم في مجالس الأنس ، ورياض الإيقان.
وقال : ( ليس على الضعفاء ) يعني : الذين أضعفهم حمل أوقار المحبة.
( ولا على المرضى ): الذين أمرضهم مرارة الصبابات.
( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ): الذين يتجردون عن الأكوان بتجريد التوحيد ، وحقائق التفريد.
( حرج ): عتاب من جهة العبودية والمجاهدة ؛ لأنهم مقتولون بسيف المحبة ، مطروحون بباب الوصلة ، ضعفهم من الشوق ، ومرضهم من الحب ، وفقرهم من حسن الرضا ، ثم زاد في وصفهم بالشفقة على دين الله ، وعلى سنة رسوله ، بقوله : ( إذا نصحوا لله ورسوله ). إذا عرفوا عباد الله طريق الله ، والأسوة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم وصفهم بترائي قلوبهم هلال جلاله بنعت بذل أرواحهم ونفوسهم لله في الخلوات ، وبين أنهم فائزون من نكايات المكر والامتحان ، وجميع البليات والعقوبات ، بقوله : ( ما على المحسنين من سبيل ) أي : ما على المشاهدين جلاله وجماله سبيل الحجاب ، وقارعة العتاب ؛ لأنه كان في الأزل اختارهم برحمته السابقة ، وغفر في القدم تقصيرهم في المعرفة ، بأنه علم أن الخلق يعجزون عن حمل بوادي عظمته ، وأوائل كشف سلطان كبريائه ، قال الله سبحانه : ( والله غفور رحيم ).
قال بعضهم في قوله : ( ليس على الضعفاء ): من لم يكن من القدرة ، فقد رفع عنه الحرج.
قال ابن طاهر : لو لم يكن في الفقر والقلة إسقاط الحرج عن صاحبه ، لكان ذلك عظيما.
قال الله : ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ).
وقال القاسم : في قوله : ( ما على المحسنين من سبيل ): من يرى الإحسان كله من الله ، فلا يكون لأحد عليه سبيل ، وقد وقع لي في قوله : ( ما على المحسنين من سبيل ) أي : ما على من أصفاه الله في سابق إحسانه عليه تغيير الاصطفائية قط ، وإحسانه لله
Sayfa 37