وكان هذان الرجلان من فتيان قيس، شديدي البأس، قد ملأ قلبهما إيمان قوي بالله، وحفاظ قوي للعرب، واعتزاز قوي بالنفس، وحب قوي للجهاد. وكانا قد مضيا مع الصائفة غازيين، حتى بلغا ثغرا من ثغور الروم، فأمعنا في الغزو ولقيا فيه من الجهد والشدة واحتملا فيه من المشقة والبلاء شيئا عظيما، لم يزدهما إلا إيمانا على إيمان، وحفاظا إلى حفاظ، وحبا للجهاد إلى حبهم القديم للجهاد. وكان الله عز وجل قد قضى لهما أن يعودا من هذه الغزوة موفورين، فلما بلغا مأمنهما مع الجيش من بلاد المسلمين نذرا لئن مد الله حياتهما حتى ينقضي الشتاء وتستأنف الصائفة من قابل غارتها على بلاد الروم، ليكونن لهما في هذه الغارة بلاء، وليضعن كل واحد منهما نفسه في مقدمة الجيش المغير. وكانا قد أزمعا من أجل ذلك ألا يبعدا في الرجوع إلى موطنهما، وأن ينفقا فصل الشتاء في مدينة من مدن المسلمين المنبثة في الشام، والتي ترابط فيها الجنود، قد قسمت بينها تقسيما، ووزعت عليها توزيعا. ولم يكونا من أصحاب الديوان في جند من أجناد الشام، وإنما كان رجلين قد باعا أنفسهما من الله وتطوعا في الجهاد، وأقبلا يبتغيان المثوبة، فلحقا بالصائفة فيمن يلحق بها من المتطوعين، ولم يصرفهما عن حمص أنها لم تكن للمضرية دارا. وما يريدان إلى المضرية أو إلى اليمنية وهما إنما يمران بهذه المدينة مرورا وينتظران أن ينقضي فصل من فصول العام ويقبل فصل آخر ليستأنفا نشاطهما وليقبلا على ما يبتغيان من ثواب الله مجاهدين!
فلما استقر بهما المقام في حمص أياما وأسابيع، أخذا يدوران فيها ويتعرفان بعض أمرها، ويسمعان إلى ما كان يجري على ألسنة أهلها من بعض الحديث. وقلما كان أحدهما يخرج منفردا، إنما كانا في أكثر أوقاتهما متلازمين، كأن ما دفعهما إلى الهجرة من أوطانهما قد جمع بين نفسيهما في الجهد والبأس، كما جمع بين نفسيهما في الرخاء واللين! فقلما كانا يفترقان أثناء الغارة على اختلاف الأحوال وتباين الخطوب التي كانت تعرض للجيش وتلم بالمغيرين. وهما الآن لا يفترقان أو لا يكادان يفترقان، وقد أظلهما الأمن وضمنتهما سلم لا يخافان معها شدة ولا بأسا ولا فراقا.
ولكنهما في هذا اليوم لم يكادا ينفتلان من صلاة الغداة حتى فرقت بينهما حركة الناس وازدحامهم مسرعين، كأن هناك أمرا ذا بال يروعهم ويدفعهم إلى أن يشهدوا مشهدا يجب أن يشهده الناس. وقد دفع محمد بن نصر مع المزدحمين وأسرع مع المسرعين، لم يكن له في ذلك رأي أول الأمر، ولكنه لم يلبث أن حمد ما أدركه من ذلك، فمضى مع الماضين مختارا لا كارها، وحرص على أن ينتهي إلى حيث كانوا يريدون أن ينتهوا. وقد سمع ما سمع، ورأى ما رأى، وامتلأ قلبه بالعظات والعبر، وشغل عقله بالتفكير المتصل العميق. حتى إذا تفرق الناس وكلهم يملأ نفسه العجب عاد إلى صاحبه يحدثه بما سمع، ويحدثه بما رأى، ويبدأ حديثه بهذا الكلام الذي أوجزته لك آنفا.
فلما سأله صاحبه عما به قال: «لقد شهدت اليوم أمرا عظيما: شهدت جنازة رجل ملأ قلوب الناس حبا وبغضا، ورضا وسخطا، وأثار في نفوسهم كثيرا من الحفيظة بل حفيظة لا تنتهي، وأثار في نفوس الناس كذلك إعجابا وإكبارا، وأطلق ألسنة الناس بالذم الشنيع، وأطلق ألسنة الناس بالثناء الكثير، ورسم على وجوه الناس آثار الموجدة المنكرة، ورسم على وجوه الناس كذلك آثار الاعتراف بالجميل، ورسم على وجوههم بين ذلك ابتسامات فيها سخرية وازدراء، وفيها عطف وإشفاق. ثم رأيت الناس يعودون من تشييعه إلى قبره وإن الحيرة لتملأ قلوبهم، وإن الشك ليضطرب في نفوس كثير منهم، وإنهم على هذا كله ليقولون فيما بينهم مثل ما كنت أقوله لك منذ حين، وإنهم على هذا كله ليظهرون الثقة بحكمة الله البالغة والاطمئنان إلى عفوه الذي ينال به من يشاء.»
قال عمير بن عبد الله: «ما رأيت كاليوم رجلا يؤثر التلميح على التصريح، ويقصد إلى الغموض دون الوضوح. فحدثني بحديثك - لا أبا لك - ولا تطل، فما تعودت منك إطالة ولا إملالا.»
قال محمد بن نصر: «فالله يعلم ما آثرت تلميحا ولا اجتنبت تصريحا ولا قصدت إلى غموض ولا تنكبت وضوحا، وإنما أصور لك نفسي كما أجدها. وما أدري كيف أتحدث إليك بهذا الحديث، وما أعرف من أين آخذه: آخذه من مبتدئه أم آخذه من منتهاه، أم آخذه مما بين ذلك؛ فإن كل موضع منه تملؤه العبرة والعظة، وتظهر فيه هذه الروعة التي تتأثر لها القلوب وتفكر فيها العقول. إنه رجل لم يعرف الناس من أول أمره إلا أنه كان عبدا حبشيا لسيد من سادات قريش في مكة وهو جبير بن مطعم. وكانوا يرونه فتى شديد البأس عظيم الأيد، شجاعا جريئا، يعمل لسيده فيما يعمل فيه الرقيق. ولو أن الرق لم يعرض له لكان خليقا أن يسود في بلده وبين قومه هؤلاء السود. ولكن الرق عرض له كما عرض لكثير من أشراف الروم والفرس، فألقاه إلى هذا الحي من قريش، وفرض عليه ما يفرض على الأرقاء من الخنوع والخضوع ومن الذلة والهوان، ومن العمل فيما لا يعمل فيه أصحاب النجدة والمروءة من الناس. وكان هذا الفتى ضيقا بحياته أشد الضيق، منكرا لها أعظم الإنكار، جامحا حين يتاح له الجموح، شامسا حين يتهيأ له الشموس، لا يخفي بغضه للرق وطمعه في الحرية مهما يكلفه ذلك من غضب سادته وزجرهم، وإعناتهم له وإلحاحهم عليه بالإعنات. وكانت قريش قد لقيت من النبي
صلى الله عليه وسلم
وأصحابه جهدا شديدا يوم بدر، وفقدت جماعة من ساداتها وأشرافها، وذاقت الهزيمة المنكرة، وذاقت فقد الأحباء، وذاقت هذا الذل الذي يكره العرب أن يذوقوه، ذل الموتور الذي لم يدرك وتره. وكانت قريش تتجهز لإدراك الوتر والأخذ بالثأر، وشفاء حزازات النفوس، وإرضاء قتلاها من أهل الحفير. وكان جبير بن مطعم قد فقد عمه طعيم بن عدي يوم بدر، وكان حريصا على أن يثأر به وينتقم له من قاتله. ولم يكن قاتله إلا حمزة بن عبد المطلب عم النبي، وأسد الله وشجاع قريش، وحامل لواء المسلمين لأول ما عقد اللواء.»
قال عمير بن عبد الله: «فإنك إنما تتحدث عن وحشي، فما خطبه؟ وما الصلة بينه وبين هذا الرجل الذي شهدت جنازته منذ اليوم؟» قال محمد بن نصر: «فإن هذا الرجل الذي شهدت جنازته منذ اليوم هو وحشي نفسه.»
قال عمير: «ليتني عرفت مكانه من هذه المدينة حين أقبلت إليها، إذا لسعيت إليه، ولسمعت منه، ولسألته عن بلائه ذلك المنكر.»
Bilinmeyen sayfa