Sayım Tersine
عد تنازلي: تاريخ رحلات الفضاء
Türler
كان «أيو» أكبر قليلا من القمر، وإذا ترك لحاله دون ممارسة أي تأثيرات خارجية عليه، فمن المفترض أن يكون ميتا جيولوجيا، بسطح مليء بالفوهات. لكن، هذا الانبعاج ولد حرارة، واقترح الباحثون أن «أيو» ربما انصهر بالكامل، فيما عدا طبقة صلبة رفيعة. كتب الباحثون: «ربما كان «أيو» أشد الأجسام الأرضية حرارة في النظام الشمسي.» وأضافوا أنه «ربما تحدث به أنشطة بركانية سطحية ومتكررة ومنتشرة». نشرت ورقتهم البحثية في مجلة «ساينس» تحت عنوان «انصهار القمر الأقرب بفعل انحسار موجات المد والجزر»، في يناير 1979. نشر رئيس تحرير المجلة، فيليب آبلسن، الورقة البحثية في عدد 2 مارس، بينما كانت «فوياجر 1» على وشك الانطلاق مرورا بالمشتري بعدها بثلاثة أيام فقط.
كانت هذه المركبة الفضائية تلتقط الصور الفوتوغرافية على مسافات بعيدة لمدة أسابيع، ومع اقتراب لحظة الالتقاء، زيدت عملية التقاط الصور على نحو هائل. أشار برادفورد سميث، الذي كان يرأس مجموعة من علماء التصوير، إلى هذه الفترات قائلا: «الأمر قد يبدو غير مهني ، بيد أن كثيرا من الأشخاص كانوا يقفون في منطقة فريق التصوير بأفواه فاغرة يشاهدون الصور وهي تتوالى.»
كان العاملون مهتمين على نحو خاص بالبقعة الحمراء الكبرى، وهي عاصفة في الغلاف الجوي للمشتري تهب منذ ما يزيد على ثلاثمائة عام، ويمكنها ابتلاع الأرض بسهولة. تضمنت الصور الملونة القريبة أشكالا بيضاوية لعواصف أصغر، إحداها بيضاء مرقطة، والأخرى بلون أزرق فاتح. كان يدور حولها مجال هائل من الدوامات والحلقات بالألوان الأحمر والأبيض والقرمزي والبرتقالي والبني الفاتح والرمادي. كانت المشاهد الملتقطة تشبه الفن التجريدي، وقال أحدهم: «هل أنتم متأكدون أن فان جوخ لم يرسم ذلك؟»
أظهر «أيو»، الذي لم يكن يظهر في أفضل التليسكوبات كأكثر من بقعة ضوء، ألوانا زاهية عن قرب، ومع تزايد وضوح الصور، قال أحدهم: «كنت أعلم أنها ستكون مختلفة عما رأيناه عن قرب. لكن، كي يتوقع المرء شيئا كهذا، فالأمر كان يتطلب منظورا سماويا. هذا غير معقول!» ظهر «أيو» زاهيا باللونين الأحمر والبرتقالي؛ بالنسبة إلى براد سميث، بدا مثل البيتزا. في واقع الأمر، كان لونه الحقيقي زيتونيا شاحبا. كانت درجات الألوان الزاهية تعزى إلى قلة التوازن اللوني في الصور المعالجة الأولى، مثلما يبدو وجه باللون الأخضر على شاشة التليفزيون. مع ذلك، بدا الباباروني في هذه البيتزا حقيقيا بما يكفي، وكان هذا عبارة عن براكين.
بعد ثلاثة أيام من الالتقاء، رصدت ليندا مورابيتو، مهندسة في مختبر الدفع النفاث، أول انفجار بركاني. كانت تفحص لقطة لقمر «أيو» في طور الهلال، يظهر فيها جانبه الليلي، ولاحظت عمودا هائلا من الدخان يظهر ظله على صفحة السماء السوداء، وقرب المنحنى الداخلي للهلال، توهج بشدة عمود دخان آخر أثناء ارتفاعه من الشفق والتحامه مع الشمس الساطعة. اتضح أن «أيو» يحتوي على ثمانية براكين نشطة على الأقل، معظمها استمرت ثورته بقوة لمدة أربعة أشهر لاحقة عندما حلقت «فوياجر 2» مارة بالكوكب لإلقاء نظرة أخرى. في الواقع، كان «أيو» هو أكثر الأجرام الموجودة في النظام الشمسي من حيث نشاطه الجيولوجي، بل إنه يفوق الأرض في نشاطه الجيولوجي، وتوجد لدى مختبر الدفع النفاث الصور التي تثبت ذلك. عند أقرب نقطة التقاء، لم يعد «أيو» يبدو مثل قرص؛ حيث ملأت أجزاء من سطحه مجال الرؤية بالكامل. بلغت دقة أفضل الصور بضع مئات من الياردات. أظهرت بعض الصور تدفقات حديثة للكبريت الأصفر، في حين أظهرت صور أخرى البراكين نفسها، بما في ذلك بيليه، وهو أكبرها على الإطلاق. ظهر البركان على هيئة حدوة حصان على سطح «أيو»، وبلغ طوله ستمائة ميل، وبلغ ارتفاع عمود الحمم البركانية التي أطلقها 175 ميلا تقريبا؛ لم يكن ثمة أي كوكب آخر يضاهيه في هذا الشأن.
خلال عام 1979 نفسه عندما اقتربت مركبتا «فوياجر» الفضائيتان من المشتري، بلغ «بايونير 11» كوكب زحل وانطلق بأمان مارا بالكوكب. اتبعت مركبتا «فوياجر» نفس المسار الذي حلقت فيه مركبة «بايونير 11»، حيث بلغتا هذا الكوكب في نوفمبر 1980 وفي أغسطس 1981. هنا ظهرت حلقات الكوكب، التي وصفها عالم الفيزياء فيليب موريسون بأنها «كل ما اكتشف عن طريق التليسكوب، وهي أكثر الأمور دلالة بالنسبة إلى معظم الأشخاص». التقطت مركبتا «فوياجر» صورا دقيقة التفاصيل، فضلا عن الظل الهائل الساقط عليها من قبل الهيكل الرئيسي لكوكب زحل، وبلغ عرض هذا الظل سبعين ألف ميل.
كان الأمل كله منصبا حينئذ على «فوياجر 2»، التي كان من المنتظر أن تواصل الرحلة إلى الكواكب الأبعد؛ فقد تفادت المركبة بالكاد العطل الذي كان على وشك أن يلحق بها، حيث كان الجهاز الرئيسي لتلقي الإشارات اللاسلكية قد تعطل في عام 1978. كانت تحتوي على جهاز بديل، بيد أن أحد المكثفات قد تعطل أيضا في الجهاز البديل. لم تتمكن هذه المركبة إذن من تلقي أوامر إلا عند تردد واحد بعينه. لم تستطع التعامل مع تأثيرات دوبلر الطفيفة التي كان يحدثها دوران الأرض في الطول الموجي لأجهزة الإرسال الأرضية. تتبع اختصاصيو مختبر الدفع النفاث بعناية التباينات التي تحدث في جهاز الإرسال، والتي من شأنها أن تسمح بتمرير الأوامر ووصولها إلى الوجهة المقصودة، وظلت وصلة الاتصالات الأساسية مفتوحة.
فيما وراء زحل، مضت كل مركبة من المركبتين في مسارها المستقل. حلقت «فوياجر 1» مارة بهذا الكوكب في مسار ساعد في تقديم أفضل الأرصاد، غير أنه أهدر فرصة الذهاب إلى عوالم أبعد. أما «فوياجر 2»، فاقتربت من زحل في مسار مختلف، ثم واصلت طريقها إلى أورانوس. لم يكن هذان هما الطريقين اللذين افترقا في غابة صفراء مثلما أشار الشاعر روبرت فروست في قصيدته، لكن هنا أيضا كان اختيار الطريق يصنع الفرق الكبير. التزمت «فوياجر 2» بجدولها الزمني تمام الالتزام، حيث وصلت أورانوس في يناير 1986. مرت بنبتون، أبعد كواكب النظام الشمسي، في أغسطس 1989 وواصلت عملها ببراعة.
من هذا المنظور الأبعد، فقدت الشمس نفسها ضخامتها، فلم تكن تزيد في السماء عن كونها أكثر النجوم توهجا. كان الحزام الشمسي يقع إلى الأمام، حيث كان التأثير المادي للشمس يفسح المجال للتأثير المادي لفضاء ما بين النجوم. هنا تصطدم الرياح الشمسية، وهي عبارة عن تدفق سريع للجزيئات من الشمس إلى الخارج، مع تيار من غاز قليل الكثافة يتدفق بين النجوم. مع ذلك، واصلت مركبتا «فوياجر» نشاطهما، وخلال عام 1992 تلقتا إشارات لاسلكية من الحزام الشمسي، وهو ما يبعد كثيرا عن النظام الشمسي. انطلقت المركبتان نحوه، كما لو أن الإشارات تلوح لهما بالاقتراب؛ اقتربت هاتان المركبتان من فضاء ما بين النجوم، مثل ملاحين سافرا بعيدا عن أراضيهما، حيث خرجتا عن مجال الشمس لتلجا إلى الآفاق غير المحدودة للمجرة. مضت المركبتان في اتجاه هذا الأفق اللامتناهي مثل قاربين صغيرين للغاية، يحملان بضائع الأمل والشجاعة والإبداع والرغبة في الاستكشاف التي تحدو الإنسان في سعيه نحو الفضاء.
الفصل الحادي عشر
Bilinmeyen sayfa