فأما أدب الجدل فأن يجعل المجادل قصده الحق وبغيته الصواب، وألا تحمله قوة إن وجدها من نفسه، وصحة في تميزه وجودة خاطره، وحسن بديهته، وبأن عارضته، وثبات حجته على أن يسرع في إثبات الشيء ونقضه، ويسرع في الاحتجاج له ولضده، فإن ذلك مما يذهب بها علمه، # ويطفئ نور بهجته، وينسبه به أهل الدين والورع إلى الإلحاد، وقلة الأمانة، ولذلك أطرح الناس "الراوندي" ومن أشبهه على قوتهم في الجدل، وتمكنهم من النظر وليعلم أن عواقب إطلاق اللسان، وجنايات البيان على كثير من الناس كبيرة غير محمودة، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما أوتي امرؤ شرا من طلاقة اللسان". وأخذ أبو بكر رضوان الله عليه بطرف لسانه فقال: هذا أوردني الموارد".
وألا تسحره الكثرة والقلة فيما يطلبه من الحق فيقلد الأكثرين، [أو يريد التكبر عليهم] أو يريد التكثر بهم والترؤس عليهم بمتابعتهم. فإن الله - سبحانه - قد ذم الكثرة، ومدح القلة فقال - عز من قائل: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} وقال: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} وألا يقلد الحكم الفاضل في كل ما يأتي به إذا كان غير مأمون منه الخطأ، فقد يخطئ العاقل ويصيب الجاهل، ولذلك قال أمير المؤمنين - عليه السلام - للحارث ابن حوط:
Sayfa 189