428

قلت: وأما المقالة الثانية وهي مقالة الجبرية فشناعتها على زعمهم هي أن اعتقادهم أن أفعال العباد جميعا حسنها وقبيحها فعل الله -سبحانه وتعالى- ولا فعل للعبد أبدا، وأن الإنسان مجبر على أفعاله ملجأ إليها مضطر إلى فعلها، وأنه لا فعل له أصلا فيه تجوير للباري -تقدس وتعالى- وإبطال للتكليف، وحسم لباب الثواب والعقاب والأمر والنهي، وتبطل أيضا فائدة إرسال الرسل وغير ذلك من الشرائع فوافقوا بهذا العدلية لو ثبتوا عليه؛ وإنما قد عرفت ما مما سبق آنفا من قولهم أن القول به يلزم منه مشاركة الله في مخلوقاته ومغالبته في جبروته فتناقضت أقوالهم في هذا مناقضة ظاهرة لا تخفى على من له أدنى بصيرة؛ فهذان مذهبان متناقضان أفهمهما وأضيفهما إلى ما يأتي قريبا -إن شاء الله تعالى- من مذاهبهم المتناقضة المنهارة فلما اضطربوا هذا الاضطراب وحاروا هذه الحيرة التي لا تخفى على أولي الألباب فأرادوا أن يسلكوا طريقا وسطا على زعمهم تكون متوسطة بين قول العدلية [180-ب] وبين قول الجبرية لزعمهم أن المقالتين كلتاهما شنيعتان(1) وذلك أنهم يأخذون من كل قول منهما بطرف وذلك أنها لا تكون أفعال العباد خلق الله ولا هي مقدورة للعبادة فألزمتهم العدلية أنها ذا أمر لا يعقل [149أ-أ] إذ لا واسطة بينهما لأنه لا واسطة بين النفي والإثبات فقالوا: بل مذهبنا منتظم لكل من الطرفين، وهذا بعد أن قالوا : أن كل منهما شناعة كما عرفت فرد عليهم العدلية مقالتهم هذه بقولهم: فعلى هذا اختصصتم لكل واحدة من الشناعتين على زعمكم وجعلتموهما لكم مذهبا مع تنافيهما وعدم [إمكان](2) اجتماعهما إذ يؤدي ذلك أن كون(3) فعل العبد فعلا لله وما هو فعله -سبحانه وتعالى- وهو فعل العبد وما هو فعله؛ وهذا خلف من القول ولا يقول به من له مسكة من عقل فضلا من يدعي انتحال العلم فقد زلوا عن هذا وقالوا: بل المبتدؤ من فعل العبد هو خلق من الله وكسب من العبد كما قاله الأشعري وأهل نحلته فرد عليهم العدلية مقالتهم هذه بأن قالوا لهم: هل هذا الكسب من خلق الله أم لا؟ فإن كان الله خالقه فقد أضفتوا الفعل إلى الله -سبحانه وتعالى- من جهتين: من جهة الخلق، ومن جهة الاكتساب، وإن لم يكن خلقه تعالى فيقال لهم: هل فعله العبد ثبت العبد فاعلا أو لا فاعل له أصلا فإن قلتم لا فاعل له بطل قولكم؛ لأن كل محدث لا بد له من محدث إذ لو جاز في بعض الحوادث ألا يكون له محدثا جاز في سائرها وفي هذا نفي الصانع -تقدس وتعالى- فعدلوا عن هذا القول أيضا وقالوا: بل فعل العبد فعل الفاعلين فرد عليهم العدلية قولهم هذا أيضا بأن مقدورا واحدا يستحيل من قادرين؛ لأنه لو كان كذلك وأراد أحدهما وجوده والآخر لا يوجد من جهته لكراهته وجوده فيصير موجودا معدوما في حالة واحدة وذلك محال فعدلوا عن هذا أيضا، وقالوا: بأنه مجبر لأن قد علم الله -سبحانه وتعالى- فعله وما علمه -سبحانه وتعالى- كان كما علمه فردوا عليهم مقالتهم هذه بما ذكرناه سابقا وذلك أن علمه تعالى ليس بموجب للمعلوم وإنما يتعلق المعلوم بمعلومه على ما هو به من دون أن يؤثر فيه فعدلوا عن هذا جميعه وقالوا: هذا أمر فيه دقة وإشكال ولأجل هذه الدقة والإشكال رأى المشيخة من أهل السنة وجلة العلماء الوقف عن الكلام في ذلك والخوض فيه لهذا الوجه ولقوله - صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا ذكر القضاء فأمسكوا ))(1) فرد عليهم العدلية قولهم هذا [149ب-أ] أيضا بقولهم: فإذا كان هذا الأمر مشكل عليكم ولم تعلموا الصواب في إضافة فعل القادرين من العباد إليهم أو إلى الله -سبحانه وتعالى- وقد نهيتم عن الخوض فيه فلما أو قعتم أنفسكم في المناظرة على غير مذهب معلوم والتخطئة لمن خالفكم في أمر لستم منه على يقين؛ وهل أنتم في ذلك إلا مقدمون على ما لا يؤمن أن يكون خطأ من دينكم، ولا تأمنوا أن يكون من خالفكم مصيبا وكيف قطعتم أن كل واحد من القولين -يعني من الجبر والتفويض- خطأ ثم جمعتم بينهما وجعلتم مذهبكم آخذا بطرفيهما، ثم رجعتم عن ذلك وقلتم مذهبكم وسطا بينهما ثم رجعتم إلى أنه غير معلوم عندكم وزعمتم أن هذا مذهب الحذاق من أهل السنة وجلة العلماء والمشيخة فرجعوا عن هذا وقالوا: إن العبد لا موثق ولا مطلق فردوا عليهم قولهم هذا أيضا بقولهم: إنه إن لم يكن مطلقا فهو موثق(1)، وإن لم يكن موثقا فهو مطلق ففاز أهل السنة بما لا يعقل من الوسط بين النفي والإثبات على ظاهر قولهم هذا فرجعوا عن هذا، وقالوا: بل مذهب أهل السنة أن الخالق واحد لا شريك له، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته. فردوا عليهم هذا القول بأنه متناقض [181-ب] لأن قولهم أفعال العباد يدل على أنهم قادرون على إحداثها وفعلها إذ الفعل هو ما وجد من جهة(2) من كان قادرا عليه، وقولهم: من جملة مخلوقاته نفوا كونها أفعال العباد وأطلقوا القول بأن الله -سبحانه وتعالى- هو مبتدعها(3) والقادر على إحداثها فنقض هذا قولهم أنها أفعال العباد وكان قولهم هذا كقول المجبرة سواء .

Sayfa 232