5
فقط، وهو لا يثور فيهدر
6
أحيانا إلا عند قضائه ليلة عاصفة على ظهر مركب في دانيماركة، أو عند سماعه في هنغارية أن اللصوص دهموا أصحابه في غابة فأطلقوا النار عليهم، أو عندما يكون في الخارج فيقول: «لا يبتلى المرء في فرانكفورت المملة بمثل ذلك.»
والحق أن منصبه الجديد يقدمه في السن بسرعة، ويظل بسمارك سفيرا من السنة السابعة والثلاثين إلى السنة الثامنة والأربعين من عمره، ولكن مع نقص عميق في قواه الحيوية، وليس ذلك لما اتفق له من راحة بال، بل لزيادة سرعة انفعاله، وبصره انقضاء الزمن، وعجزه عن تغيير شيء في بروسية مع استيائه في عشر سنين مما يحدث فيها، ونفاد نشاطه في كتابة سلسلة من التقارير والرسائل، وقد كتب بعد عامين يقول: «ما كنت أظن أنني أتعود العمل بهذا المقدار من الانتظام هنا. وأعجب بنفسي كل يوم حين أرى درجة كفاحي لكسلي الطبيعي ومقتي الغريزي للمداد.» وإذا تمثلنا ما كان عليه بسمارك بدا لنا أنه كان مروضا حينما اتهم نفسه برعونة الصبا لعطله من الصحف في سياحة أسبوعين، ويتحسر بعد ثلاث سنين، فيقول في فرانكفورت: «وذلك لرقاد في الأمور!»
ولا يخفى علينا أنه أشار بذلك إلى أمور السياسة العليا، لا إلى الأمور اليومية التي تركها لمرءوسيه، ويكتب رسائل إلى أسرته في غضون اجتماعات البندشتاغ وعند إلقاء الخطب المملة فيه، ويرى لزاما عليه ذات يوم أن يحمل على وقف شاب متهم بأمر سياسي، ويذهب ليرى هذا الفتى باكرا، ويصل إليه بعد صعود درج ثلاث طبقات في المنزل الذي يقيم به، ويقول له: «خير لك أن تقصد بلدا أجنبيا بما يمكنك من السرعة!» ويتردد الفتى، ويقول بسمارك: «يظهر أنك لا تعرفني، ويحتمل أنك محتاج إلى نقود نفقة للرحلة، فخذ هذا المبلغ وأسرع في مجاوزة الحدود؛ لكيلا يقال إن الشرطة أبرع من الدبلميين.» وفي سان بطرسبرغ أيضا يعرف أثيم في السفارة، فيعطيه ثيابا أخرى، ويهربه من الباب الخلفي، ثم يهزأ بالشرطة لأنها تركته يفر، فمن خلال ذلك الشذوذ النادر نبصر ظهور مغامرات شبابه مرة ثانية.
ويبدو عمل دماغه مضاعفا حين إملائه الرسائل؛ فقد روى أحد ملحقيه أنه يذرع الغرفة إذ ذاك ذهابا وإيابا لابسا بذلته الخضراء فيلوح أنه يفكر جهارا في جمل تتدفق بفروغ صبر ويتخللها كثير تفسير، وهو إذا ما لاءمه ذلك فاستطاع أن يمسك أمين سر داوم على الإملاء من منتصف الليل إلى الصباح، وهو كرئيس منصف لطيف، فلا يحتمل أمناء السر الذين «يبدون من الاحترام الهائل ما لا يرتاح إليه»، وهو يدعوهم إلى الصيد وتعاطي الشراب معه، وهو يخشى جانبه في الأمور الظرفية، وهو إذا ما أنجز له عمل بعناية لم يبد رضا، ويتحد اثنان من أمناء سره في قولهما إنه يعامل أمناء سره كتلاميذ مدرسة متمردين، وهو إذا لم ينفذ له أمر قال: «أراكم ستأسفون على ذلك؛ وذلك لأنني أعتقد أنكم تشاطرونني رأيي في أن الرجل الشريف ينجز ما أوجبه على نفسه.» وما كان يبدي من مثل هذه الملاحظات بصوت لين فيثلج سامعيه إلى فقارهم، وقد تأتون عملا خاطئا من الناحية التاريخية، فيقول لكم حينئذ بأدب ذرب:
7 «يظهر أن صفحات فاتتكم من التاريخ العام لبيكر!»
الفصل الثاني
كانت النمسة أكبر خصم، وما كان بسمارك محتاجا إلى اختبار كبرياء آل هابسبرغ في فرانكفورت حتى يكره النمسة وتغدو هدف منازعاته، وإلى ذلك النفور الفطري من ذلك البلد يضاف ارتيابه فيزيد عداءه الموروث، وما ارتيابه من كل دولة تود أن تأخذ مكان بروسية إلا كارتيابه من رؤسائه الأربعة الذين تناوبوا المكان الذي كان يريده بوزارة الخارجية في سنوات الانتظار الاثنتي عشرة بفرانكفورت، وإن كانت ألمانية بأسرها - ما عدا بروسية - تبدو له بلدا أجنبيا فضلا عن النمسة، وقد كان لدور الأمور في أولموتز من جرح عزته ما لم يكن لشروط المعاهدة نفسها، وهو لم يدافع عن هذه المعاهدة اجتنابا للحرب، بل لتأجيلها إلى أن يحل الوقت الذي تمثل عوامل طموحه دورها في مجرى عمله.
Bilinmeyen sayfa