49
بدا الطريق أمام دكان السيد أحمد - كعادته - مكتظا بالسابلة والمركبات، ورواد الدكاكين المتراصة على الجانبين، إلا أن هامته ازدانت بشفافية مقطرة من جو نوفمبر اللطيف الذي حجبت شمسه وراء سحائب رقاق لاحت رقاعها ناصعة البياض فوق مآذن قلاوون وبرقوق، كأنها بحيرات من نور، لم يكن شيء في السماء ولا في الأرض قد خرق المألوف مما اعتاد السيد أن يراه كل يوم، ولكن نفس الرجل، والأنفس الموصولة بنفسه، وربما أنفس الناس جميعا تعرضت لموجة عاتية من الانفعال والشعور خرجت بها عن طورها أو كادت، حتى قال السيد إنه لم تمر به أيام كهذه الأيام، اجتمع الناس فيها حول نبأ واحد، وخفقت قلوبهم بإحساس واحد. فهمي الذي يلوذ بالصمت بين يديه ما لم يبدأه هو بالحديث نقل إليه في إسهاب ما اتصل بعلمه عن مقابلة سعد لنائب الملك، وفي مساء اليوم نفسه، وفي مجلس الطرب، أكد نفر من الصحاب أن الخبر حقيقة لا يرتقي إليها الشك، وفي دكانه حدث أكثر من مرة أن خاض زبائن لا تربط بينهم صلة تعارف سابق في حديث المقابلة، بل ما يدري هذا الصباح إلا والشيخ متولي عبد الصمد يقتحم عليه الدكان بعد غيبة طويلة، فلم يقنع بتلاوة الآيات وأخذ نصيبه من السكر والصابون، وأبى إلا أن يعلن نبأ الزيارة بلهجة من يزف البشرى لأول مرة، ولما سأله السيد - مداعبا - عما يظن أن تكون نتيجة الزيارة، أجاب الشيخ: «محال! ... محال أن يخرج الإنجليز من مصر، أتحسبهم مجانين كي يجلوا عن البلد بلا قتال! ... لا بد من قتال، ولا قتال لنا، فلا سبيل إلى إخراجهم، فلعل رجالنا يوفقون ولو إلى إبعاد الأستراليين حتى يعود الأمن إلى سابق عهده، والسلام!» أيام أنباء ومشاعر فياضة صادفت في السيد رجلا ذا قابلية شديدة لعدوى الأشواق الوطنية والسياسية، فبات على حال من الانتظار والتوقع، جعلته يقبل بانفعال على قراءة الجرائد التي بدت في الأغلب وكأنها تصدر في بلد غريب لا انفعال فيه ولا توثب، واستقبال الأصدقاء بنظرة استطلاع تتلهف عما وراءهم من جديد، وعلى تلك الحال استقبل السيد محمد عفت حين دخل الدكان مهرولا، لم تكن نظرة القادم الحادة ولا حركته النشيطة مما يوحي بأنه مجرد زائر قد عرج إلى الدكان لاحتساء قهوة أو رواية ملحة، فوجد السيد في مظهره ما تجاوب مع نفسه القلقة المشوقة، فبادره قائلا والآخر يشق طريقه بين الزبائن الذين قام جميل الحمزاوي على قضاء حوائجهم: صباحنا ناد، ماذا وراءك يا سبع؟
اتخذ السيد محمد عفت مجلسه لصق المكتب، وهو يبتسم ابتسامة وشت بالعجب كأن قول السيد «ماذا وراءك»، وهو نفس السؤال الذي يتكرر كلما لاقى أحدا من صحبه، إقرار بأهميته في هذه الأيام البالغة في أهميتها بالنظر لما يربطه ببعض الشخصيات المصرية الهامة من صلات القربى. كان السيد عفت دائما همزة الوصل بين جماعته الأصلية المكونة من تجار وبين من انضم إليها بمضي الزمن من موظفين ممتازين ومحامين، وإن تفرد السيد أحمد بمنزلة الإعزاز الأولى بفضل شخصيته وسجاياه، غير أن صلة القربى هذه التي لم تفقد شيئا من خطورتها قط لدى أصدقائه التجار الذين يتطلعون إلى الموظفين وذوي الألقاب بنظرة ملؤها الإكبار، صلة القربى هذه قد زادت خطورة في هذه الأيام التي بات فيها «الخبر الجديد» أهم من الماء والغذاء! ... بسط السيد عفت صحيفة كانت مطوية بيمينه ثم قال: خطوة جديدة ... لم أعد ناقل أنباء فحسب، ولكني بت رسولا أحمل إليك وإلى غيرك من الأكرمين هذا التوكيل السعيد.
وأعطاه الصحيفة وهو يغمغم مبتسما: «اقرأ» فتناولها السيد وقرأ:
نحن الموقعين على هذا قد أنبنا عنا حضرات سعد زغلول باشا وعلي شعراوي باشا وعبد العزيز فهمي بك ومحمد علي علوبة بك وعبد اللطيف المكباتي ومحمد محمود باشا وأحمد لطفي السيد بك، ولهم أن يضموا إليهم من يختارون، في أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعي سبيلا في استقلال مصر استقلالا تاما.
فتهلل وجه السيد وهو يتلو أسماء أعضاء الوفد المصري الذين سمع بهم فيما سمع من أنباء الحياة الوطنية التي ترددها الألسن، وتساءل: ماذا تعني هذه الورقة؟
فقال الرجل بحماس: ألا ترى هذه الإمضاءات؟ ... وقع تحتها بإمضائك، وادع جميل الحمزاوي ليوقع بإمضائه أيضا. هذا توكيل من التوكيلات التي طبعها الوفد ليوقعها الشعب، فيتخذ بها صفة الوكالة عن الأمة المصرية ... أمسك السيد بالقلم ووقع بإمضائه في سرور تجلى في تألق عينيه الزرقاوين، وهو يبتسم ابتسامة رقيقة نمت عن شعوره بالسعادة والخيلاء؛ إذ يوكل عن نفسه سعدا وزملاءه، أولئك الرجال الذين ملكوا النفوس على حداثة شهرتهم، حيث حركوا منها أهواء عميقة مكبوتة كالدواء الجديد يستأثر بأفكار المرضى بداء قديم استعصى علاجه، بالرغم من استعماله لأول مرة، ودعا الحمزاوي فوقع بإمضائه كذلك، ثم التفت إلى صاحبه وهو يقول باهتمام شديد: المسألة جد فيما يبدو!
فضرب الرجل حافة المكتب بقبضة يده، ثم قال: غاية الجد، كل شيء يسير بقوة وتصميم، أما علمت بما دعا إلى طبع هذه التوكيلات؟ قيل إن «الرجل» الإنجليزي تساءل عن الصفة التي كلمه بها سعد وزميلاه في صباح 13 نوفمبر الماضي، فما كان من الوفد إلا أن عمد إلى هذه التوكيلات ليثبت أنه يتكلم باسم الأمة.
فقال السيد بتأثر: لو كان محمد فريد بيننا ما عدا هذا. - لقد انضم إلى الوفد من رجال الحزب الوطني محمد علي علوبة بك، وعبد اللطيف المكباتي.
ثم هز منكبيه لينفض عنهما الماضي كله، ثم قال: كلنا نذكر سعدا بما كان يثير من ضجة عظيمة على عهد توليه لنظارة المعارف ثم الحقانية، ما زلت أذكر ترحيب اللواء به منذ ترشيحه للوزارة، وإن لم أنس حملاته عليه بعد ذلك، بل لا أنكر أنني ملت مع انتقاد المنتقدين له؛ لشدة تعلقي بالمغفور له مصطفى كامل، ولكن سعد أثبت دائما أنه جدير بإعجاب المعجبين، أما حركته الأخيرة فهي خليقة بأن تحله من القلوب في أعز مكان. - صدقت ... حركة مباركة، لندع الله أن يتولاها بتوفيقه.
Bilinmeyen sayfa