كما أن الوطن هو الذي يجمع الأمة تحت راية واحدة وأحكام واحدة واسترعاء ملك واحد، ينبغي لها أيضا أن تكون متحدة على كلمة واحدة، منقادة لسياسة واحدة حائزة كمال العفة والشجاعة والفضل وصيانة العرض، مستعدة لمقاومة أعداء الأوطان وصد هجمات المتغلبين؛ كي تكون حرة بوطنها متمتعة بحقوقها المدنية، ويكون كل فرد من أفرادها آمنا على نفسه مالكا حرية وطنه لا يخشى هضيمة في ذاته ولا يوصل الأذية لغيره؛ حتى يستحق حينئذ أن يعد فردا من أفراد المدينة التي هي بمنزلة بيت يضم عائلة واحدة بعضهم بالنسبة لبعض كأعضاء الجسم الذي يحتاج كل عضو منه بحركته إلى العضو الآخر.
كما ينبغي أيضا أن أهالي الوطن يكونون مقبلين على طلب العلوم والمعارف، عاقدين الخناصر على جلب كل ما يعود نفعه على الأوطان ومائلين للفنون والصنائع التي هي سبب تقدم البلاد وثروتها، لا يستميلهم الكسل ولا الميل نحو حب الشهوات الجسمانية التي تفضي بالإنسان إلى حضيض الذل والبوار، بل دائما يكونون مهتمين بصوالح بلادهم بإجراء الوسائل الآيلة لنجاحهم وتقدم وطنهم، كإنشاء المدارس العلمية والصناعية وتعميم الشركات التجارية ومد السكك الحديدية، إلى غير ذلك مما يتوقف عليه نمو المرابح المتجرية والسعادة الوطنية.
فمن نظر إلى أوروبا من منذ عدة أجيال وإلى حالتها التي كانت عليها عندما كانت تخبط في ظلام الجهل خبط عشواء، وتفرس فيها الآن وفيما آلت إليه حالها من التقدم في المعارف والغنى، ظهر له كيف تأثير الهمم الإنسانية في الرجال، وكيف تبلغ بالأمة إلى معارج الفضل والكمال، وتجعلها منفردة عن بقية الأمم بالفنون والمعارف واكتساب الشهرة والصيت. وهكذا شأن الرجال من أبناء الأوطان الذي يبذلون مالهم وأرواحهم حبا بفائدة وطنهم وسعادة أنفسهم، ويقومون بحقوق المصلحة الوطنية التي ينتظم بها حال الهيئة الاجتماعية. على أن من أعظم الأسباب التي جعلت أوروبا تتقدم بالثروة والغنى على الأمم تعاضد الناس على الشركات التجارية الوطنية، وتعاونهم على المشروعات المهمة النافعة؛ إذ من المستحيل أن واحدا ذا يسار أو اثنين - ولو مهما كانا غنيين - أن يستطيعا إنشاء سكة حديدية أو بنك «محل للقرض» أو معمل للتشغيل ونحو ذلك من المنافع العميمة، ما لم يتعاضد على ذلك المشروع عدة أناس يكونون مشتركين بدفع ما يحتاج إليها الحال من النقود، كل منهم على حسب استعداده وغناه، ليحصل حينئذ تسهيل الأشغال وينال الجميع جزيل الفائدة والأرباح.
ويستنتج من ذلك ما لقوة الاجتماع من القدرة على الأعمال العادية.
وأن كل وطن يتحد أهله على طلب المنفعة والتقدم، تراهم سائدين على من عداهم كثيري الثروة متمتعين بالخبرات الوطنية حائزين تمام الحرية والأمنية، بخلاف الأمة التي تكون متعددة الأفكار والآراء متفرقة الجماعات والأحزاب؛ فإنها لا تزال في تشاحن وتحاسد، وربما تجلب سوء العاقبة إلى الأوطان، وهي محرومة من أسباب التقدم غير مستحوذة على الحرية الوطنية، بعيدة عن نوال الحقوق العمومية.
لذلك ينبغي لأبناء الأوطان ملازمة أسباب سعادتهم وتقدمهم واتحادهم على دفع كل ما من شأنه أن يضر بالأوطان ويحط بقدر الأمة ويجعلها تتأخر في ميادين الفضل والعرفان، وذلك باستحضار جميع ما يلزم لأهل العمران من الأدوات اللازمة لتحسين الأحوال الحسية والمعنوية والاستعداد بسائر المهمات الحربية برية كانت أو بحرية منعا لما يفاجئ الأوطان من هجمات الأعداء وصدا لمطامع المتغلبين، كما يلزم تجريد أفراد الجمعية من امتيازاتهم المعنوية لدى ممانعة الأخطار المزمعة أن تلم بالأوطان؛ إذ عندها يتساوى بالمصلحة أبناء الوطن كبيرهم والصغير وحقيرهم والأمير، فلا ينبغي لهم حينئذ النظر إلى امتيازاتهم المعنوية والإهمال بالمصلحة الوطنية، بل يكونون متحدين على كلمة واحدة، وتحت راية واحدة، ويكون كل فرد من أفرادها منزه النفس صادق الوطنية، لا يستميله حب الشهوات لما به ضرر بلاده وسوء معاده، وينبغي للحكومة استئصال ذوي الأغراض والغايات الذين يظهر منهم أدنى زلل من شأنه أن يخل براحة الأوطان، كما ينبغي لها أيضا مساعدة الرعية والتحفظ على حقوقها المدنية، ومنهما كمال الحرية المؤسسة على العدل وحسن السياسة.
الفصل الثالث
في الحرية العمومية
قسم بعضهم الحرية إلى معنيين: الأول منها: هو الحرية الشخصية، وهي إطلاق تصرف الإنسان في ذاته وكسبه مع أمنه على نفسه وعرضه وماله ومساواته لأبناء جنسه لدى الحكم، بحيث إن الإنسان لا يخشى هضيمة في ذاته ولا في سائر حقوقه، ولا يحكم عليه بشيء لا تقتضيه قوانين البلاد المتقررة لدى المجالس. والمعنى الثاني: الحرية السياسية، وهي تطلب الرعايا التداخل في السياسيات الملكية والمباحثة في ما هو الأصلح للمملكة بواسطة نواب الأمة.
وقسمها بعضهم إلى خمسة أقسام:
Bilinmeyen sayfa