690

فإن قال قائل: فما يدريكم لعل العرب قد عارضت القرآن وأتت بمثله، فخفى ذلك وانكتم، قيل له: لو جاز ذلك لجاز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم، هزمه عدوه يوم بدر، فستر ذلك عنا ونقل إلينا خلافه، ولجاز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قتل في بعض مغازيه فكتمنا ذلك، ونقل إلينا أنه مات على فراشه، على أنه قد روى ما امتحن به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه يوم أحد وغيره من الأيام، وما نيل منه في وجهه، وما هجي به وادعى عليه من السحر والكهانة والجنون، وقد طعن الملحدون في القرآن وألفوا في ذلك الكتب، ولو كانت العرب قد عارضت بمثل الذي أتى به، وأبطلت حجته لاشتهر ذلك، ولكان ذلك أحق بالظهور لشهرته وعظم الخطب فيه، من سائر ما ظهر، لأنه أغرب وأعجب وأفظع وأشنع، ومحال أن ينقل الأدون ويتعلق به ويترك الأجل الأقطع، وبالله التوفيق.

وقد زعم قوم من أهل الكلام أن الحجة في القرآن إنما هو ما فيه من الأخبار عن الغيوب، فإن الله جل ذكره منع العرب وصرفهم عن معارضته، لأنه في نفسه معجز قيل له: لو كان هذا على ما ذكرتم كان الواجب في الحكمة أن يستحق نظمه لأن الأعجوبة في عجزهم عنه مع القدرة ما هو أجود منه وأفصح كانت تكون أعظم وأدل على المراد.

وقد طعن بعض الملحدين في القرآن فقال: لا يجد الإنسان يقول: الحمد منفردة، ورب العالمين منفردة، وكذلك كل لفظ من القرآن فإذا كان يمكنه أن يأتي بمثل هذه الألفاظ منفردات وقد صح القدرة عليها، وإذا كان قادرا عليها فما الذي يمنعه من جمعها، ومتى يدركه عند العجز عن اللفظة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وما البرهان على ذلك؟

فعارضهم بعض المتكلمين فقال: أخبرونا عن البكا المفحم، أليس يقدر أن يقول: "قفا نبك" منفردة؟ "ومن ذكرى حبيب" منفردة؟ ثم كذلك كل لفظة من هذه القصيدة؟ فإذا كان يمكنه أن يأتي بها منفردات وكان قادرا على ذلك فما الذي يمنعه من جمعها ونظمها النظم الموزون؟ ومتى يلحقه العجز في اللفظة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فلم يجدوا في ذلك فرقا؟ والحمد لله.

Sayfa 204