ويبحث فيه بأن هذا كله خلاف ما عليه القاعدة، فإن القاعدة هي أنه لا يجوز للمجتهد أن يخالف ما رآه أنه هو الحق في نظره وأن ما عداه خلاف الحق في نظره؛ وقعوده - صلى الله عليه وسلم - وامساك جابر عن القول ليس حراما قبل ذلك.
وثالثها: أنه اذا كان في الرأي الذي يرى أنه الأهزل في نظره نوع زهد وتنزه وفي الرأي الذي يرى أنه الأرجح والأعدل ترك لذلك التنزه والورع قال فهاهنا يجوز له أن يترك ما يرى أنه الأعدل فيأخذ بما في نظره أنه الأهزل، وضرب لذلك مثلا بمسألة تحليل السباع وتحريمها على أنه قد ورد النهي من الشارع عن أكلها، وقد اختلف العلماء في تأويل هذا النهي فذهب بعضهم إلى أن هذا النهي للتحريم فحرم أكل السباع لذلك وذهب آخرون منهم إمام المذهب أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي إلى حمل هذا النهي على الكراهية والتنزه فأجازوا(_( ) على أن الشيخ نفسه رجع عن هذا القول فحكم بحرمة لحوم السباع في مصنفاته المتأخرة فمثلا يقول في "جوهر النظام" (1/221):
وإنمايحرم منه الضرر والنجس الخبيث ثم المسكر
والدم والميتة والخنزير والضاريات الوحش والطيور
وهي من السباع ذات الناب كالأسد والفهود والذئاب
وذات مخلب من الطيور كالباز والعقاب والنسور._) أكل لحوم السباع وقالوا فيها بالتكريه، فاذا رأى المجتهد جواز أكلها وأن هذا النهي للكراهية كما عليه هذا الامام رضوان الله عليه كان جائزا له أن يتمسك بما رأى فيأكل، وأن يدع أكلها تنزها لما في أكلها من الكراهية؛ هذا في الحكم الذي يخصه بنفسه، أما اذا حكمه غيره وولي الحكومة في ذلك وجب عليه أن يحكم بما يرى أنه الأقرب للصواب.
Sayfa 106