فإذا جاء وقت الغداء ألما بالمائدة فأصابا شيئا من طعام، ثم أقبلا على تاريخ اليونان والرومان فقرأا منه ما شاء الله أن يقرأا.
فإذا كانت الساعة الخامسة انصرفا عن تاريخ اليونان والرومان إلى الأدب الفرنسي فقرأا منه ما شاء الله أن يقرأا كذلك، لا ينصرفان عن القراءة إلا ريثما يخرجان للتروض خارج القرية التي يعيشان فيها، ينفقان في تروضهما ذاك ساعة أو أقل من ساعة، ثم يعودان إلى المائدة فيصيبان شيئا من طعام ثم تجتمع الأسرة كلها إلى كتاب يقرؤه عليها ذلك الصوت العذب.
حتى إذا تقدم الليل شيئا تفرقت الجماعة، وأوى كل واحد منها إلى غرفته، وخلا صاحبنا إلى نفسه يذكر ماضيه الغريب، وينعم بحاضره السعيد، ويفكر في مستقبله المجهول.
ينفق في ذلك أكثر الليل مؤرقا لا يكره الأرق ولا يدعو النوم. ولكن النوم يغلبه على أمره من آخر الليل، فإذا أسفر له الصبح استقبل يومه آخذا في الدرس كما فعل من أمس.
وعلى هذا النحو أنفق الأشهر الأولى لخطبته، ثم يعود مع الأسرة إلى باريس فيستأنف فيها حياته الجامعية مختلفا إلى السوربون حين يصبح وحين يمسي، خاليا إلى قارئته بين ذلك وإلى أستاذ الفرنسية يوما وأستاذ اللاتينية يوما آخر، مقدرا عسر المهمة التي تكلفها وبعد الغاية التي يسعى إليها.
وكان قد أزمع أن يظفر قبل كل شيء بدرجة الليسانس ثم يتقدم لدرجة الدكتوراه بعد ذلك، ولم يكن الطلاب المصريون إلى ذلك الوقت يحاولون الظفر بدرجة الليسانس هذه؛ لأنها كانت تكلف الذين يطلبونها عناء ثقيلا ... كانت تكلفهم إتقان الفرنسية أولا ليؤدوا الامتحان التحريري فيما يدرسونه من العلم، وليؤدوه كما يؤديه الطلاب الفرنسيون، يكتبون ما يرادون على كتابته في لغة فرنسية مستقيمة لا عوج فيها ولا خطأ. وكانت تكلفهم درس اللاتينية ليؤدوا فيها امتحانا تحريريا كذلك.
ولم تكن اللاتينية تدرس في مصر لا في المدارس الثانوية ولا في المدارس العالية.
فكان المصريون يرون أنهم لن يستطيعوا مجاراة زملائهم من الطلاب الفرنسيين في هذه اللغة التي لم يسمعوا بها قبل وصولهم إلى فرنسا، على حين كان الطلاب الفرنسيون يدرسونها ست سنين في مدارسهم الثانوية، ثم يدرسونها في الجامعة قبل أن يتقدموا لامتحان الليسانس.
من أجل ذلك كان المصريون يعرضون عن درسها إعراضا لا تكلف فيه، ويعرضون بالطبع عن درجة الليسانس التي لا سبيل إليها من غير هذه اللغة.
وكان ثلاثة من المصريين قد أزمعوا أن يقهروا هذه الصعوبة، ويقتحموا هذه العقبة، ويدرسوا اللغة اللاتينية، ويظفروا بدرجة الليسانس مهما يكلفهم ذلك من الجهد والعناء. فأما أحدهم: فقد جد وكد وتقدم للامتحان فأخفق، ثم أخذ يستعد ليؤدي الامتحان في العام المقبل، ولكن الأسباب تقطعت بينه وبين ذلك؛ أدركته العلة فاضطرب أمره، واختلط عقله، ورد إلى مصر فأنفق فيها أياما كئيبة يائسة، فاستأثرت به رحمة الله فأراحته من أثقال الحياة.
Bilinmeyen sayfa