Kağıtlarım... Hayatım (Birinci Kısım)
أوراقي … حياتي (الجزء الأول)
Türler
سمعت صوتا غريبا، يشبه صوت الريح تعوي بصفارة حادة تكاد تخرق الأذن، يشبه صوت طائرة نفاثة أو جسم صلب مدبب يخترق الكون بسرعة تفوق سرعة الضوء. كانت العربة اللوري قد دخلت الإسماعيلية، ضغط السائق على دواسة البنزين، اختار الطرق الجانبية بعيدا عن شاطئ القنال، لم تكن إلا دقائق حتى وصلنا إلى المستشفى، في هذه الدقائق توقف عقلي عن التفكير، اختفى الدكتور طلعت حمودة تحت الصناديق، أخفيت رأسي بذراعي الاثنتين، سمعت عم محمود يقول: ربنا ستر يا ضكطورة، فيه دانة عدت من ورانا، ربنا ستر!
كانت المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة «دانة» إنها مثل القذيفة التي تنطلق في الجو وتحدث ذلك الصوت الشبيه بصفارة الريح العاتية، يعقبها على الفور صوت الانفجارات. رأيت جدرانا تسقط ونيرانا تشتعل، أغمضت عيني كأنما في الحلم، كأنما العربة اللوري تمشي داخل النار، وصوت أمي يأتيني من تحت الأرض: نوال نرميها في النار ترجع سليمة.
فتحت عيني على مشهد عجيب، وجدت نفسي واقفة أمام باب المستشفى، العربة اللوري واقفة بجوار الرصيف داخلها الصناديق، مقعد السائق عم محمد خال ليس فيه أحد، فقط ذراعه اليمنى بأصابعه الخمسة السمراء المشققة قابضة على عجلة القيادة، أين ذهب جسد السائق عم محمد؟! رأيت بعض الوجوه من حولي، وصوتي يقول كأنما ليس صوتي: فين عم محمد؟! فين الدكتور طلعت حمودة؟!
كان الدكتور طلعت حمودة منبطحا تحت الصناديق فوق أرض العربة اللوري، أخرجوه من الباب الخلفي شاحب الوجه يهمس بصوت متحشرج: حصل إيه يا دكتورة نوال؟ - مش عارفة يا دكتور طلعت.
رأيت من حولنا بعض التمورجية بالمرايل البيضاء، أصواتهم تصرخ فينا: ادخلوا المخبأ بسرعة! أخذوني والدكتور طلعت حمودة إلى المخبأ تحت المستشفى ، كان هناك مدير المستشفى والأطباء والممرضات والتمورجية وعدد من الجرحى، سمعت أصواتا تقول: عم محمد راح، مسكين، ضربته الدانة، وفجأة اهتز المخبأ كأنما زلزال يرج الأرض، تساقط التراب فوق رأسي من السقف، تصورت أن السقف سوف يسقط، وسوف نموت كلنا تحت الأنقاض.
توالت القذائف والدانات فوق المكان الذي نحن فيه، انخلع قلبي وانبطح الجميع فوق الأرض، تصورت أنهم ماتوا جميعا وأنا الوحيدة على قيد الحياة، ثم سمعت صوت مدير المستشفى يقول: الضرب المرة دي جاد، يظهر عاوزين يهدوا المستشفى. وقال أحد الأطباء: أصلهم بقوا قريبين أوي مننا، بقوا على الناحية التانية من القنال قصادنا على طول، وجايز شايفينا.
كان الجنود الإسرائيليون قد وصلوا إلى الضفة الأخرى من قناة السويس، بعد احتلالهم لأرض سيناء كلها بعد خمسة أيام فقط من حرب يونيو 1967، وكان التراب يتساقط فوق رأسي وأنا جالسة فوق الأرض متكورة حول نفسي، أضع يدي فوق أذني حتى لا أسمع صوت الدانات التي تصفر وتعوي كالريح العاتية، يعم السكون لحظة ثم تدوي الصفارة في أذني، يعقبها صوت الانفجار ويتساقط مزيد من التراب فوق رأسي، اخترقت إحدى الدانات جدار المخبأ ورأيت مدير المستشفى راكعا يصلي يقرأ الشهادة بصوت مرتعش.
يوم من الأيام السوداء في حياتي، رأيت الموت دون أن أموت، دون أن أفقد الوعي لحظة واحدة.
غرقت تحت التراب المتساقط من السقف إلا أنني بقيت في مكاني أتنفس، وكان هناك في الناحية الأخرى جهاز تليفزيون فوق منضدة، كانت الصور تظهر على الشاشة رغم الدانات، لم ينقطع التيار الكهربي، ولم ينقطع الإرسال لحظة واحدة، لم أعرف ماذا كان يعرض فوق الشاشة، ربما أحد الأفلام القديمة لأني رأيت راقصة تشبه سامية جمال ترقص وفريد الأطرش يغني. كان مشهدا غريبا مذهلا، نحن في الإسماعيلية غارقين تحت التراب تنهال علينا الدانات من الجيش الإسرائيلي المرابط على ضفة القنال، ومدينة القاهرة ترقص وتغني.
بدا المشهد كأنما في مسرحية عبثية، وقد تطوعت للموت من أجل وطن يرقص ويغني بينما أنا أموت، إلا أنني نجوت وعدت إلى القاهرة بعد عدة أيام. مات زميلي الدكتور طلعت حمودة بعد أسبوع واحد بالسكتة القلبية وهو يقود سيارته في الشارع بجوار وزارة الصحة. وقلت لشريف: تصور يا شريف كان التلفزيون نازل رقص وغنا واحنا تحت الأرض بنموت! يظهر التلفزيون في بلد واحنا في بلد تانية! وكتبت قصة قصيرة بعنوان بلد غير بلد. ودق جرس الباب صباح يوم، رأيت أحد الرجال يناولني ورقة صغيرة: استدعاء الدكتورة نوال السعداوي للحضور إلى إدارة المخابرات العامة بسراي القبة. أخذني شريف بسيارته الفيات الصغيرة إلى مبنى المخابرات، انتظرني في الشارع ما يقرب من ست ساعات، تركوني في غرفة تشبه الزنزانة أربع ساعات، ثم جاء رجل بوليس، أخذ يحقق معي ساعتين، أول سؤال كان عجيبا: لماذا سافرت إلى الإسماعيلية؟ أدركت أننا نعيش في دولة المخابرات، وأن النظام في مصر لم يتغير منذ الملك فاروق، وكما طارد البوليس الفدائيين بعد أن عادوا من حرب 1951، وحرب 1956، فإنه يطارد الأطباء الذين تطوعوا لبناء الطوارئ الطبية في مدن القنال الثلاث بعد حرب 1967.
Bilinmeyen sayfa