494

وعقولهم ، إنما يقوم بهذه المحاولات لأجل أنه مقتنع بأن لهؤلاء دورا إيجابيا ومؤثرا في مطمعه ومطمحه ، فالذين يحبون المال ويعبدون الدينار يخضعون أمام أصحاب الثروات ويتذللون بين أيديهم ويتزلفون لهم . والذين يطلبون الرئاسة والاحترامات الظاهرية ، يتملقون أمام الرؤساء ، ويتواضعون لهم تحسبا منهم بأن هذه الاساليب نستميلهم وتبعث على كسب قلوبهم ، وهكذا تدور هذه العجلة ، فالمستضعفون يستذلون ويتملقون بين يدي أرباب الرئاسة ، وطالبوا الزعامة والوجاهة يخضعون ويتزلفون أمام الطبقة المستضعفة ، ويخرج من هذه الدائرة التي تدور بين الرؤساء والمرؤوسين ، خصوص الذين هذبوا نفوسهم من خلال ترويض النفس في كل من الجانبين وبذلوا ما في وسعهم لأجل تحصيل رضا الحق سبحانه ، ولم يتزلزلوا أمام الدنيا وزخارفها بل كانوا يفتشون في فترة رئاستهم عن رضا الحق جل وعز ، ويبحثون عن الحق والحقيقة أيام مرؤوسيتهم .

وعلى أي حال فإن الناس ينقسمون في هذه الدنيا إلى هاتين الطبقتين :

إما يقودهم يقينهم إلى الاعتقاد بأن الأسباب الظاهرية ، والمؤثرات الشكلية مسخرة تحت الإرادة الأزلية الكاملة الوجوبية ، فلا يجدون دورا لغير الحق ، ولا يلتمسون من غيره شيئا . آمنوا بأنه المالك والمؤثر في الدنيا والآخرة ، واعتنقوا بكل إيمان ويقين غير مشوب بالنقص والترديد ، آية من الآيات المباركة القرآنية وهي : «قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء» (1) حيث يرون بأن الله سبحانه هو مالك ملك الوجود ، وأن جميع العطايا من ذاته المقدس ، وأن القبض والبسط في الوجود وكمالاته منه سبحانه حسب ترتيب النظام والمصالح الكامنة .

ومن البديهي أن أبواب المعارف تنفتح على هؤلاء الأشخاص ، وتتحول قلوبهم إلى قلوب إلهية ، لا يعبأون برضا الناس ولا بسخطهم ، ولا يرومون إلا رضا الحق المتعالي ، ولا يطمعون إلا فيه ولا يطلبون إلا منه ، ولا تترنم قلوبهم إلا بهذا الكلام : إلهي إن أعطيتني فمن ذا الذي يمنعني ؟ وإن منعتني فمن ذا الذي يعطيني ؟ إنهم يغمضون أعينهم عن الناس وعطاياهم ودنياهم ، ويحدقون في الحق جل جلاله بكل حاجة وفقر ، وهؤلاء الأشخاص لا يبيعون رضا العالم بأسره ، بسخط الحق المتعالي . كما قال أمير المؤمنين عليه السلام .

وفي نفس الوقت الذي لا يعبأون بأحد غير الحق المتعالي ، ويرون أن الكائنات بأسرها فقيرة إلى الله ، ينظرون إلى كل شيء بعين ملؤها العظمة والرحمة والحنان ، ولا يلومون أحدا على شيء إلا من أجل إصلاح وضعه وتربيته . كما أن الأنبياء عليهم السلام كانوا كذلك ، لأنهم الاربعون حديثا :499

Sayfa 498