فنظر إلي في خبث وقال: هكذا سريعا؟ هي تسكن في كل القاهرة، لها بيوت في كل الأحياء من السيدة إلى بولاق ومن جاردن سيتي إلى مصر الجديدة.
وحدثت حركة في المستقبلين عندما جاء الأمير وتسابق من هناك إلى التقدم بين يديه فوقفت في مكاني، وجعلت أقرأ الحركات من بعيد، وكان الأمير شابا أسمر الوجه وسيما تبدو عليه علائم الفتوة، وكانت تحياته تجمع بين التعطف والتحفظ ، واتجه في حلقة مستقبليه إلى مكان الصدر، وابتدأت بعد قليل مراسم الحفلة.
وأخذت أجمع في وعيي كل ما تقع عليه عيني، الحسان يتهافتن على الأمير كأنهن الفراشات يتدافعن نحو الأنوار، وسارع بعضهن إلى خدمة الضيوف في المقصف وهن شبه عاريات، فما هذه الملابس التي لا تستر إلا ما دون الأكتاف، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها نساء في هذا الزي بعيني، إنها ملابس تكشف عن مفاتن الجسم، وإن كانت تدعي أنها تسترها، وقدمت كئوس الشمبانيا فكانت تتلألأ في أيديهن وتباهي خواتيم الماس التي في أصابعهن.
وأقبل الأستاذ عطية على المقصف متعطشا إلى الشرب وإلى التمتع بالمنظر البديع، فبقيت وحدي أحاول أن أتناول ما أعرفه من الأصناف وهو قليل إلى جانب ما لا أعرف، وبعد أن لعب الشراب في الرءوس بدأ دور الموسيقى، وذهب الراقصون اثنين اثنين إلى المرتع الصقيل الذي يتوسط البهو الفسيح، فذهبت إلى ركني الأول الذي كنت فيه، وجلست واضعا ساقا على أخرى، وجاءت السيدة السمراء ذات العينين الواسعتين اللامعتين تتأبط رجلا أنيقا ... أهو السيد أحمد جلال حقا أم تخدعني عيني؟ وماذا يصنع هنا؟ وتذكرت في تلك اللحظة أنه أصبح نائب دمنهور، وأنه لا ينبغي له أن يغيب عن تلك الحفلة التي تحتوي كل العظماء ... وجلس معها في ركن قريب يتفرجان على الراقصين، ويميل إلى صاحبته بين حين وآخر هامسا ثم تنطلق منهما ضحكة مرحة.
وهم بنفسي أن أمر أمامه حتى يراني، ووددت لو أمكنني أن أسلم عليه، وأرى كيف يستقبلني ولكني لم أفعل، وبقيت في مكاني أقرأ الوجوه والحركات، وتدافع الراقصون في رشاقة وهم يتناظرون بلحاظ وانية، وكانت ملابس النساء تلمع تحت الأنوار كأنها قوس قزح، والوجوه الحسان السابحة فوق المرتع تبرق بالأدهان والألوان من فوق أكتاف الفرسان الذين يخاصروهن، ويجلن عيونهن النجل في الآخرين والأخريات يفحصن أيهن وأيهم أبهى رونقا، وكانت الظهور البضة العارية تتمم محاسن النحور الغضة السافرة، وأطراف الملابس الزاهية تتطلع نحو الصدور المرمرية كأنها تعجب من بعيد بمحاسنها، وتذكرت فطومة وضحكت في سري وأنا أقول لنفسي: «ماذا كانت تصنع لو كانت هنا؟»
وكان المصورون في شغل جاد يلتقطون المناظر وأنا ساكن في مكاني، فرأيت الأستاذ عطية يتجه إلى السيدة السمراء الجالسة مع السيد أحمد جلال ويطلب منها في ظرف أن تقوم لمراقصته، فقامت تراقصه بعد أن نظرت إلى السيد كأنها تستأذنه بابتسامة أنيقة.
وكانت الساعة عند ذلك الحادية عشرة، وجاء المصورون ليقولوا إنهم قد فرغوا من التصوير، فشعرت بارتياح إلى أني أستطيع أن أخرج من الحفلة، وقمت معهم خارجا بغير أن أحاول أن أستأذن السيد الوجيه صاحب الدار.
وتعمدت في خروجي أن أقترب من السيد أحمد جلال وأمر من أمامه، والتفت نحوه كأنني التفت عفوا ثم أظهرت دهشتي من رؤيته هناك كأنني رأيته فجأة، ومددت يدي إليه لأحييه ولا أستطيع أن أصف دهشته عندما رآني أمامه، فإنه قام مرتبكا وحياني مرحبا تحية صديق عزيز قديم، ودعاني إلى الجلوس معه، ولكني اعتذرت وحييته منصرفا برأس مرفوع، وداخلني زهو عظيم وسرور فيه كثير من الخبث عندما رأيت أمارات الدهشة والارتباك التي بدت على وجهه عند انصرافي.
ولما وصلت إلى العربة ارتميت على مقعدي كأني خارج من صراع عنيف، وبقي رأسي يدور بما فيه من الصور حتى وصلت إلى «بريد الأحرار»، ودخلت إلى مكتبي وأخذت أكتب وصف الاحتفال.
ولست أدري بأي أسلوب كتبت ولا ماذا كتبت، ولم يكن الأستاذ علي مختار هناك، ولكنه ترك أمرا بإعداد وصف الحفلة للنشر في الصفحة الأولى، وبقيت في مكتبي حتى قرأت البروفة، وخرجت ذاهبا إلى منزلي، وكان الإعياء النفسي والذهني قد بلغ مني مبلغا عظيما، فما كدت أخلع ملابسي، وأرقد على سريري حتى غبت في النوم فلم أشعر بشيء حتى ضحى اليوم التالي.
Bilinmeyen sayfa