وصل موكب المأمون إلى «الرقة» في طريقه إلى بغداد فأقام بعض الوقت ليستريح، فجاءه من سرخس فارس ينبئه بمقتل الفضل بن سهل بأيدي غلمانه الأربعة، فتظاهر بالحزن والأسى، وقال عمرو بن مسعدة: أرى أن يقتل هؤلاء الغلمان، فإنهم إن بقوا سلوا على أمير المؤمنين ألسنة الناس، ولا نأمن أن يسلوا عليه سيوف خراسان.
فقال المأمون: نعم الرأي ما رأيت.
وأمر بقتلهم فقتلوا. ثم بعث إلى الحسن بن سهل، وكان وقتئذ في «واسط» فحضر وأقامه في الوزارة مقام أخيه حتى لا يغضب الخراسانيون. وكان الحسن بن سهل قبل أن يلي الوزارة من أكبر قواد المأمون، وكان أديبا فصيحا، ذا رأي وحزم ورجاحة عقل، غير متعصب تعصب أخيه للعلويين، وإن كان متشيعا لهم كغيره من الفرس. وقد قاد الجيوش وحارب إبراهيم بن المهدي وأصيب أثناء ذلك بمرض السوداء «النورستانيا» فتغير عقله حتى شد في الحديد وحبس في بيته زمنا وخلفه على العسكر أحد قواده ثم شفي، فاستدعاه المأمون بعد مقتل أخيه وشمله برعايته وعطفه وأعلى مكانه في دولته، ووهب له أموالا كثيرة، وأقطعه «فم الصلح!»
وأراد أن يزيد في إكرامه فخطب ابنته خديجة المسماة «بوران»
2
سنة 203ه، وكانت وقتئذ في الحادية عشرة من عمرها، فأجل البناء بها. وهي من أجمل نساء عصرها وأكثرهن ذكاء وفصاحة وفتونا.
وكذلك أراد المأمون أن يرضي الفرس والعرب معا وأن يجمع حوله الفريقين. وما كاد موكبه يبرح «الرقة» إلى بغداد حتى جاءته الأنباء بنصر قائده حميد بن عبد الحميد على إبراهيم بن المهدي وفراره من بغداد.
في بغداد
اغتبط المأمون بهذه البشرى وتفاءل برحيله إلى بغداد ظافرا منصورا، وشد رحاله مسرعا إلى عاصمة الدولة، وعروس المشرق، ودخلها في موكب فخم يحف به القواد والفرسان، ويتقدمه الجنود بالأعلام والطبول، ومن ورائه طوائف الفرس والعرب في مشهد رائع بديع.
ووصل الموكب إلى «قصر الخلد» - قصر الخلافة - وكان مشيدا على الشاطئ الغربي من دجلة، وأقيمت فيه أريكة
Bilinmeyen sayfa