على هذه الطريقة ينتهي إنجيل مرقس في أقدم نسخ متوفرة منه (راجع بحثنا السابق: خفايا إنجيل مرقس). ولكن بعض النساخ المتقدمين الذي لم ترضهم هذه الخاتمة المفتوحة، قاموا في زمن ما من القرن الرابع الميلادي بتدبيج خاتمة للنص، تحكي عن قيامة يسوع من بين الأموات وظهوره لتلاميذه. وهناك اتفاق عام بين الباحثين في العهد الجديد على عدم أصالة هذه الخاتمة وعدم اتفاق لغتها اليونانية مع أسلوب مرقس. وقد تعاملت الترجمات الإنكليزية الحديثة للعهد الجديد مع هذه المشكلة بطرق متنوعة. فمعظمها وضع الخاتمة المضافة مع إدخال حاشية تشير إلى أن نص مرقس الأصلي ينتهي مع الآية 8 من الإصحاح الأخير، وبعضها وضع هذه الخاتمة بين مزدوجتين مع حاشية. أما الترجمة الأكثر اعتمادا لدى الباحثين في أميركا والمعروفة بالترجمة المعيارية المنقحة، فقد حذفت في طبعتها الأولى الصادرة عام 1946م الخاتمة من المتن ووضعتها ضمن حاشية في أسفل الصفحة، ولكنها أعادتها في الطبعات اللاحقة إلى المتن مع إضافة حاشية، بعد عاصفة ثارت في الأوساط الدينية على هذا الإجراء.
ويبدو أن هذه الخاتمة المفتوحة لم ترض من قبل أيضا بقية الإنجيليين، فعملوا على تطويرها. فحتى لو كانت خاتمة مرقس الأصلية تشير ضمنا إلى أن النساء الثلاثة قد مضين إلى بقية التلاميذ وأخبرنهم بخبر القبر الفارغ، فإن مصداقية الخبر تبقى معتمدة على ما قاله شاب مجهول وجد في القبر، وما نقلته عنه ثلاث نسوة غير موثوق بشهادتهن، لأن شهادة النساء عند اليهود في تلك الأيام كانت موضع شك ولا يؤخذ بها في كثير من الأحيان. ولذلك فقد عمد متى في روايته إلى استبدال الشاب المجهول الذي تحدث إلى النسوة في القبر، بملاك هبط من السماء في زلزلة شديدة وجاء إلى الحجر فدحرجه عن المدخل وجلس عليه، ثم أخبر المرأتين اللتين جاءتا لتفقد القبر (في رواية مرقس كن ثلاث نسوة) وقال لهن إن يسوع قد قام من بين الأموات، وإن عليهما أن ينقلا هذا الخبر لبقية التلاميذ ويقولا لهم بأنه سوف يسبقهم إلى الجليل وهناك يرونه. ولكيلا يبقى خبر القيامة معتمدا على شهادة الملاك، فقد جعل متى يسوع يتراءى للمرأتين على الطريق ويقول لهما أن يذهبا إلى إخوته ويقولا لهم أن يمضوا إلى الجليل وهناك يرونه (متى، 28: 1-10).
وبعد ذلك يذهب التلاميذ إلى الجليل إلى الجبل الذي جعله لهم يسوع موعدا، فلما رأوه سجدوا له ولكن بعضهم ارتابوا (متى، 28: 16-17). أما لماذا ارتاب بعض التلاميذ فلان يسوع لم يكن يظهر بشكله الذي عهدوه في حياته، على ما سنرى في بقية الظهورات.
فإذا جئنا إلى لوقا نجده يتحدث عن عدد غير محدد من النسوة أتين لتفقد القبر بينهن نسوة مرقس الثلاث، ليجدن أن الحجر كان مدحرجا عن مدخله. ولكن ملاك متى الذي نزل في زلزلة من السماء لم يكن جالسا عليه، وبدل الملاك الواحد رأى النسوة ملاكين داخل القبر الفارغ قالا لهن: لماذا تبحثن عن الحي بين الأموات؟ إنه ليس ها هنا بل قام. فرجعن من القبر بهدوء هذه المرة على عكس حالهن في رواية مرقس، وأخبرن الأحد عشر والآخرين جميعا. ولكن على الرغم من كثرة النسوة اللواتي رأين القبر الفارغ، فقد بدا للبقية هذا الكلام «ضربا من الهذيان ولم يصدقوهن». وكان لا بد من تثبيت شهادة رجل تؤكد شهادة النساء، فأسرع بطرس إلى القبر ورأى بأم عينه القبر الفارغ. وبعد ذلك تراءى يسوع لاثنين من التلاميذ كانا ذاهبين في ذلك اليوم إلى قرية قريبة من أورشليم ومشى معهما، ولكنهما لم يعرفاه إلى أن دعياه إلى الطعام فجلس معهما وكسر الخبز وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه ولكنه توارى عنهما. فقاما ورجعا إلى أورشليم فوجدا التلاميذ مجتمعين في البيت. وبينما هما يقصان عليهما ما جرى لهما ظهر يسوع بينهم فجأة وحياهم، فخافوا وظنوا أنهم يرون روحا. فقال لهم: «ما بالكم مضطربين؟ انظروا إلى يدي ورجلي، أنا هو بنفسي. المسوني وتحققوا فإن الروح ليس له لحم ولا عظم»، ثم أكل معهم وقال لهم أن يبقوا في أورشليم ولا يغادروها. ثم خرج بهم إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم، وبينما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السماء (لوقا: 24).
في رواية يوحنا مريم المجدلية وحدها جاءت إلى القبر في صباح اليوم الثالث لترى الحجر مدحرجا والقبر فارغا. فهرعت إلى بطرس والتلميذ، الحبيب وقالت لهما: «أخذوا السيد من القبر ولا ندري أين وضعوه» أي أنها توقعت أن أحدا ما قام بنقل الجثمان إلى قبر آخر. فأسرع التلميذان وتأكدا من شهادة مريم ثم رجعا إلى موضعهما. أما مريم فبقيت عند القبر تبكي. ولما انحنت إلى داخل القبر رأت ملاكين بثياب بيض «فقالا لها: يا امرأة ماذا يبكيك؟ فقالت لهما: أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه». ثم شعرت بأن أحدا يقف وراءها، فالتفتت ورأت يسوع ولكنها لم تعرفه وظنت أنه البستاني الذي يعمل في أرض يوسف الرامي. فقالت له: «يا سيد، إن كنت أنت قد حملته فقل لي أين وضعته لآخذه. قال لها يسوع: مريم. فعرفته وقالت: يا معلم. فقال لها: لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي». فسارعت المجدلية وأخبرت التلاميذ بما رأت. ولما كانت عشية ذلك اليوم، كان التلاميذ مجتمعين والأبواب مغلقة خوفا من اليهود، فظهر يسوع بينهم فألقى التحية وأراهم موضع المسامير في يديه وأثر الطعنة في جنبه، ثم اختفى. وبعد ثمانية أيام ظهر لهم بالطريقة نفسها وطلب من توما (الذي لم يكن حاضرا في المرة السابقة ولم يصدق رواية زملائه) أن يضع إصبعه في يديه وفي خاصرته ويتلمس موضع الجروح. وبعد فترة لا يحددها المؤلف ظهر يسوع للمرة الرابعة للتلاميذ ولكن في الجليل عندما كان سبعة من التلاميذ يصطادون في سفينة بطرس، ثم جلس معهم وأكل سمكا مشويا. وبعدما تغدوا ودعهم واصطحب بطرس معه إلى مكان غير محدد (يوحنا: 20-21).
من هذه الروايات الأربع نستنتج أن يسوع بقي مع تلاميذه بضعة أيام قبل أن يغادرهم. أما في سفر أعمال الرسل (المنسوب إلى لوقا) فإنه يبقى معهم مدة أربعين يوما. نقرأ في مقدمة السفر: «رويت في كتابي الأول ياثاوفيلوس جميع ما عمل يسوع وعلم منذ بدء رسالته إلى اليوم الذي رفع فيه إلى السماء، بعدما ألقى وصاياه إلى الذين اختارهم رسلا بدافع من الروح القدس. ولهم أظهر نفسه حيا بكثير من البينات وتراءى لهم مدة أربعين يوما بعد آلامه، وكلمهم عن ملكوت الله. وبينما هو يأكل معهم أوصاهم ألا يبرحوا أورشليم بل عليهم أن ينتظروا فيها ما وعد الآب به ... وما إن قال هذا حتى رفع بمرأى منهم وأخذته سحابة عن أعينهم. وبينما عيونهم شاخصة إلى عل وهو يذهب عنهم، إذا رجلان بثياب بيض قد مثلا وقالا لهم: أيها الجليليون ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء؟ فيسوع هذا الذي رفع عنكم سيعود كما رأيتموه ذاهبا» (أعمال، 1: 1-11).
تبقى أخيرا رواية بولس عن القيامة والظهورات وهي أقدم الروايات. نقرأ في رسالته إلى أهالي كورنثة التي حررها نحو عام 57م، ما يلي: «بلغت إليكم قبل كل شيء ما تلقيته، وهو أن المسيح مات من أجل خطايانا كما جاء في الكتب، وأنه قبر وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب، وأنه تراءى لصخر (= بطرس) فالاثني عشر، ثم تراءى لأكثر من خمسمائة أخ لا يزال بعضهم حيا وبعضهم ماتوا، ثم تراءى ليعقوب ثم لجميع الرسل. حتى تراءى لي آخرا» (1 كورنثة، 15: 2-8).
وسنقوم فيما يلي بمقارنة عناصر رواية القيامة والظهورات كما وردت في الروايات الستة.
القبر الفارغ
الشاهد الأول
Bilinmeyen sayfa