Albert Camus: Çok Kısa Bir Giriş
ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدا
Türler
أصبح لكامو معلمان مهمان في صغره: معلمه في المدرسة الابتدائية لويس جيرمان، وبعده الفيلسوف والأستاذ جين جرينييه في سنوات مدرسته الثانوية وسنوات الجامعة. سيلعب كل منهما دورا محوريا في حياة كامو. وكما كان يردد جول فيري (1832-1893)، مؤسس النظام المدرسي الفرنسي الإلزامي العلماني المجاني، «إن المعلمين في الواقع هم جنود الجمهورية الفرنسية»، ومهمتهم أن يكونوا معاونين لرب الأسرة، وفي بعض الأحيان بدلاء عنه.
في رواية كامو المنشورة بعد وفاته بعنوان «الرجل الأول»، التي تحمل طابع السيرة الذاتية إلى حد كبير، يوجد العديد من الإشارات إلى علاقته بمعلمه لويس جيرمان، ودوره الذي تعدى كونه أستاذا. اهتم جيرمان بكامو اهتماما خاصا، فكان يحضر إلى بيته ويعطيه دروسا خاصة دون مقابل، ليساعده في الحصول على منحة والالتحاق بالمدرسة الثانوية (التي ما كان لكامو أن يتحمل مصاريفها لولا ذلك). كان جيرمان أيضا انضباطيا صارما يعتاد ممارسة العقاب البدني على تلاميذه (بمن فيهم كامو حين كان صبيا). وعندما قبل كامو في المدرسة الثانوية، أقنع جيرمان جدة كامو بالسماح له بالالتحاق بها - حتى وإن لم يكن يعمل ويساهم ماليا في شئون المنزل. تلقى هذا الصبي اليتيم الأب، الذي يتحدر من حي الأقدام السوداء القاسي، الرعاية والتشجيع (أحيانا بخشونة وقسوة) إلى أن التحق بالمدرسة الثانوية بمنحة ثم بالجامعة، وهذا كله بسبب دعم جيرمان له. ولنا أن نتخيل كيف أصبحت هذه المدرسة ومادة الأدب الفرنسي خاصة - وهي المادة التي امتاز فيها كامو - مهربا له من وحشة مجتمعه والفقر النسبي في بيته.
لم يكن امتنان كامو تجاه جيرمان قصير المدى؛ فبعد ثلاثين عاما، وكما هو معروف، أهدى كامو جائزة نوبل للآداب التي تلقاها إلى معلمه في المدرسة الابتدائية قائلا: «دونك، دون تلك اليد الداعمة التي مددتها إلى الطفل المسكين الذي كنت عليه، دون تعليمك ودون الاقتداء بك، لما كنت أساس ما أنا عليه الآن.»
عندما كان في السابعة عشرة من عمره، اجتاز كامو أولى مراحل البكالوريا. كان هذا الإنجاز في شهر يونيو 1930، في ظل الاحتفال بمئوية الوجود الفرنسي في الجزائر. وعلى جانب الأقدام السوداء الذين كان عددهم آنذاك يقارب المليون، كانت احتفاليات طويلة. نظمت السلطات الفرنسية العديد من المواكب والحفلات الموسيقية ومولتها، وكشفت النقاب عن النصب واللوحات التذكارية، وافتتحت المتاحف؛ هذا كله إجلالا لمهمة «نشر الحضارة» الفرنسية. حتى إنهم كلفوا المخرج الفرنسي الشهير ذا الميول اليسارية جين رينوار بعمل فيلم مغامرات (اسمه «لو بليد») لتمجيد المستعمرين. وقد شارك عدد قليل من العرب والبربر البالغ عددهم ستة ملايين شخص. فهل شارك كامو في الاحتفالات؟ لا نعرف عن تفاصيل هذه المرحلة من حياته إلا القليل، مثل أنه كان يحب أن يلعب كرة القدم في الفريق المحلي شأن كثير من الفتية من أبناء السابعة عشرة.
بدأ كامو السنة المفترض أن تكون الأخيرة في مدرسته الثانوية في خريف 1930، ولكن حياته تغيرت تغيرا مأسويا عندما بدأ يسعل دما في أحد أيام شهر ديسمبر. كان تشخيص المستشفى محبطا؛ إذ أعلن إصابته بمرض السل. كان علاج السل مقتصرا على التدفئة، والراحة، والتغذية السليمة، وكان هذا المرض مزمنا يستمر مدى الحياة. بعدها بسنوات كثيرة، أخبر كامو صديقا له أنه قد تملكه شعور بالخوف على حياته في ذلك اليوم في المستشفى، وأن تعبيرات وجه الطبيب عززت من مخاوفه. ولربما كان رد فعله أيضا لمكوثه في غرفة مشتركة في مستشفى مصطفى باشا: وهي منشأة أغلب المرضى فيها من العرب. طبقا لأحد كتاب سيرته، كره كامو الأجواء الكئيبة في المستشفى، وأراد الرجوع إلى منزله على الفور.
من هذا الوقت فصاعدا، ظهر لكامو منظور جديد جذريا، من المستحيل فيه تجاهل حتمية الموت وتعسفه. عندما كان في السابعة عشرة فقط من عمره، أدرك كامو فناءه. وسيكون لهذا الإدراك المفاجئ للموت كثير من التداعيات. في عمله الفلسفي الأول، «أسطورة سيزيف»، يرتبط الإحساس القوي بالفناء بنظريته في العبث ارتباطا لا ينفصم. والموت المحدق والعشوائي هو محور أدبه أيضا: كالموت الحاضر حضورا غير مبرر كما في «كاليجولا»، والموت كأمر حتمي (وإن كان مصدرا للخلاص والتحرر أيضا) كما في «الغريب»، والموت نتيجة الإصابة بمرض كما في «الطاعون».
دفع تغيبه الطويل عن المدرسة أستاذه في مادة الفلسفة جين جرينييه إلى أن يزوره، وهو تصرف غير معتاد من أستاذ. خلال تلك الزيارة، التي استعاد ذكراها كل من كامو وجرينييه في مراسلاتهما وفي مذكرات جرينييه، ظل كامو صامتا، وبدا متحفظا، لكنه كتب فيما بعد أنه كان متأثرا بتلك اللفتة الكريمة، وعاجزا عن التعبير عن مشاعره في آن واحد. كانت تلك الزيارة بداية صداقة بينهما استمرت لبقية حياتهما. ربما تفرد جرينييه بكونه المؤثر الثقافي الأبرز والأهم في حياة كامو، وعمل معلما ومرشدا فكريا وسياسيا حقيقيا في بدايات كامو. وسيهدي كامو كتابه الأول - وهو مجموعة مقالات بعنوان «بين هذا وذاك» - إلى جرينييه.
لم يكن جرينييه مجرد أستاذ، بل كان مفكرا حرا رافضا لكل النظم والمعتقدات التقليدية. كان قد نشر بحثين فلسفيين قبل أن يلتقي كامو. ومن الجدير بالذكر أنه كان لجرينييه علاقات في باريس، حيث عمل فيها لصالح «نوفل ريفو فرانسيز»، وهي مجلة كانت تقدم كتابات أفضل كتاب العصر الذهبي الحقيقي للأدب الفرنسي. عرف جرينييه شخصيات أدبية شامخة وعمل معها، كأندريه مارلو، وأندريه جيد، وهنري دي مونترلان، وماكس جاكوب. وتتجلى أهمية جرينييه في حياة كامو الثقافية في واحدة من أولى مقدمات يومياته، التي كتبها في التاسعة عشرة من عمره فقط: ... قرأت كتاب جرينييه. إنه حاضر فيه حضورا كاملا، وأشعر بالحب والتقدير اللذين أنبتهما داخلي ينموان. ... دائما ما أستزيد إذا ما قضيت معه ساعتين. فهل سأدرك يوما ما أدين به له؟
لكن في بداية عام 1931، ظهرت على كامو الشاب أعراض أخطر وأشد لمرض السل. فأوصى الأطباء بأن يترك الشقة الضيقة في شارع بلكور في الجزائر العاصمة، والتي لم تكن مناسبة لمرحلة النقاهة الطويلة. بعدها بمدة قصيرة، انتقل كامو ليعيش مع جوستاف أركو، الذي كان يعيش في الجزائر العاصمة أيضا، وهو زوج خالته أنطوانيت سينتس. لن يعود كامو بعدها إلى بيته أبدا. كان لأركو شخصية غريبة، كان جزارا ذا شارب ضخم يشبه مقود الدراجة، ويقضي وقتا طويلا في استقبال المعجبين به في المقهى المحلي. علاوة على ذلك، كان أركو قارئا نهما؛ تكتظ أرفف مكتبته بأعمال فولتير وأناتول فرانس وجيمس جويس.
قرأ كامو كتب أركو، وكان يساعد في العمل بالجزارة حيث حاول أركو أن يهيئه ليكون خليفته فيها. في الوقت الذي قضاه مع الزوجين أركو اللذين لم ينجبا، أصبحت حياة كامو رغدة نسبيا مقارنة بمستوى معيشته في بيت جدته. كانت له غرفة خاصة، وكان يأكل اللحم يوميا. (تبعا لأوامر الطبيب؛ في ثلاثينيات القرن العشرين كان الأطباء الفرنسيون يعتقدون أن اللحم علاج جيد للسل.) عندما تذكر تلك الأيام بعدها بعدة سنوات في مقابلة أجراها مع صديق له، اعتبر كامو أن أركو يمثل شخصية الأب في حياته «بشكل ما».
Bilinmeyen sayfa