وتهافت الغزالي في هذا الحكم واضح، فقد قرر أن من يطالع التشريح وعجائب منافع الأعضاء يحصل له العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان والإنسان، فهو إذن أقوى إيمانا وأرسخ عقيدة ممن لم يطالع التشريح. ولكن الباحث في منافع الأعضاء مضطر إلى أن يؤمن بأثر المزاج فيما يعتري النفس من قوة وضعف، وهو بالتالي مضطر إلى الإيمان بأن النفس تموت. وإذن فهو زنديق فيما يرى الغزالي! وكيف ذلك والغزالي يرى أن من وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها وإن كانت أجنبية!؟
لقد صرح الغزالي في عدة مواطن من كتبه، بأن من حمل على شرب الخمر لا يحد، وصرح في ميزان العمل بأن الأمزجة تشكل الأخلاق؛ فهو يرى الاختيار شرطا للمؤاخذة، كما أوضح ذلك حين تكلم عن حديث النفس في الجزء الثالث من الإحياء، فكيف يحكم بكفر الرجل العالم الذي أقنعه العلم مثلا بأن النفس تموت؟ أيرى الغزالي أن من المحرم شرعا أن يدرس التشريح؟ وإذا كانت الشريعة تدعو إلى تحكيم العقل كما نطق بذلك القرآن ، أفليس معنى ذلك أنه ليس للشريعة أن تضع بنفسها نتيجة ذلك التحكيم، وإلا كان إيمانا بقوة الحديد؟
الحق أن الغزالي مال كثيرا إلى ترضية العامة حين بحث صحة الإيمان، حتى رأيناه يذكر أن المرء قد يتكلم بما هو كفر وهو لا يدري!
وما أغرب قوله في كتابه المنقذ من الضلال: «ثم رد أرسططاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين، ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم، إلا أنه استقى أيضا من رذائل كفرهم بقايا لم يوفق للنزوع منها. فوجب تكفيره، وتكفير متبعيه، من المتفلسفة الإسلاميين: كابن سينا والفارابي، وأمثالهم».
والغزالي الذي أسرف هذا الإسراف في الحكم على الإيمان وفق كل التوفيق حين دعا إلى حسن الظن بالناس. وانظر ما قاله في تحريم الغيبة بالقلب «ليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل ... حتى إن من استنكه فوجد منه رائحة الخمر لا يجوز أن يحد، إذ يقال يمكن أن يكون قد تمضمض بها ومجها وما شربها، أو حمل على الشرب قهرا. فكل ذلك لا محالة دلالة محتملة فلا يجوز تصديقها بالقلب، وإساءة الظن بالمسلم بها».
وعندي أن الرجل لا يكفر إلا إذا عرف الحق وعاند، فأي فليسوف رأى رأيا شاذا عن حسن قصد فهو ناج، ولو كان رأيه يخالف الدين مخالفة صريحة. فكان من الحق على الغزالي أن يقيم الأدلة على ما عند ابن سينا والفارابي من العناد، وسنعود إلى تفصيل هذا الرأي في غير هذا الباب.
مقياس الخير والشر
ومع أن الغزالي قرر أن لا دخل للعقل في حسن العلم وقبحه وإنما الأمر في ذلك للشرع، فقد رأيناه يقيس العمل بمقياس العقل والشرع معا، حين يريد أن يحكم: أخير هو أم شر. فالعمل خير إذا وافق العقل والشرع، وشر إذا خالف العقل والشرع.
ولم يفرد الغزالي بابا لهذا البحث، ولكنه نوه بمدلوله في مواطن كثيرة، فقد جاء في ص81 من ميزان العمل في تعريف السخاء ما نصه: «هو أن يتيسر عليك بذل ما يقتضي الشرع والعقل بذله عن طوع ورغبة ويتيسر عليك إمساك ما يقتضي الشرع والعقل إمساكه عن طوع ورغبة.» وجاء في ص136 من هذا الكتاب ما نصه: «وعماد عفة الجوارح كلها أن لا يطلقها في شيء مما يختص بها إلا فيما يسوغه العقل والشرع وعلى الحد الذي يسوغه.» وقال في ص57 من الجزء الثالث من الإحياء: «وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع.» وقال في وصف العمل الصالح: «وذلك بأن يكون موزونا بميزان العقل والشرع» ص22 ج3 إحياء.
إغفال الغزالي لهذا المقياس
Bilinmeyen sayfa