Fikirler ve İnsanlar: Batı Düşüncesinin Öyküsü
أفكار ورجال: قصة الفكر الغربي
Türler
وهناك شذرات من الدلائل التي تؤيد أولئك الذين يحسنون الظن بالمستوى المتوسط في الثقافة لدى الأثينيين في العهد العظيم. وأشهر شاهد في الأدب الأثيني على أن مستوى الثقافة كان رفيعا حقا هو خطاب الذكرى لبركليز. ولكن بركليز كان سياسيا، وربما كان يداهن المستمعين إليه.
ونحن نعلم أن ألوف الأثينيين كانوا يقضون الساعات الطويلة في المسرح يشاهدون روايات كبار كتاب المسرحية الإغريق. وقد كانت هذه المسرحيات - والمآسي منها خاصة - على مستوى عقلي رفيع جدا من أولها إلى آخرها. ولم يكن في هذه المسرحيات هبوط، ولم تكن فيها مشاهد لأصحاب الثقافة الوضيعة أو مشاهد لكي تقابل مطالب «الواقعية»، كمشهد حفاري القبور في «هاملت». وكذلك كانت الموسيقى والرقص اللذان يصاحبان هذه المسرحيات على نفس المستوى الرفيع بكل تأكيد، وربما كان خير ما يماثل ذلك في العصر الحديث الأوبرا - ولا أعني الأوبرا الإيطالية، بل ولا أعني فاجنر، وإنما أعني الأوبرا العسيرة المقيدة التي سادت في القرن الثامن عشر - وليس من شك في أن المقارنة خطرة، ولكن هل يمكنك أن تتصور أن كل سكان مدينة من المدن الأمريكية تقريبا (على دفعات معقولة بطبيعة الحال) يشهدون أداء «دون جيوفاني» لموزار أو «أورفيوس» لجلك برمتها؟ ربما كانت الجماهير في أثينا ترتاد هذه المسرحيات نظرا لانعدام الملاهي الأخرى، ولكنهم كانوا على الأقل يفهمون شيئا مما يجري؛ لأن موضوعات المسرحيات كانت جزءا من الفولكلور عندهم. أما عند الأمريكان فموضوعات الأوبرا العظيمة ليست جزءا من الفولكلور الخاص بهم، ربما كانت «أوكلاهوما» هي النظير الحقيقي.
وقد يكون من المعقول بطبيعة الحال أن نزعم أن هذه المسرحيات الأثينية كانت أداء دينيا في حقيقتها، كانت جزءا من العقيدة المتصلة بالإله ديونيسس، وأن المشاهدين كانوا دائما يحسنون السلوك لأنهم كانوا يحسون إحساس رواد الكنيسة؛ أي إن الجموع كانت في الحقيقة ترتاد المآسي؛ «لأن» ذلك هو السلوك الديني الصحيح، وربما كانوا لا يفقهون للألفاظ الفخمة معنى، بل ربما كانوا يملون ما يسمعون. وفي الكوميديات - حيث تختلف المواصفات - كثير من الخشونة والفحش. وكان أرستوفان بالتأكيد أحيانا يحاول أن يجتذب انتباه الأفراد الذين لا يسبحون خاصة في بحار الأفكار العميقة. ولكن أرستوفان لم يقدم شيئا يخلو من المعنى، أو يبلغ من السوء مبلغ قصة مصورة من قصص هوليوود من الدرجة الثانية، أو شيئا سخيفا كالأوبرات الشعبية التي تذاع في الراديو عندنا. وكثير من أعماله يبلغ من الدقة والفكاهة الرفيعة مبلغ المسرحيات الحديثة لكتاب مثل ج. ب. شو، ويتطلب تنبها ذهنيا من المستمعين كما تتطلب هذه المسرحيات.
وليس من شك في أن سمعة الإغريق قد تأثرت من الحركة الرجعية في القرن التاسع عشر ضد عبادة كل ما هو إغريقي، وهي العبادة التي بدأت في الغرب في عصر النهضة. وما زلنا حتى اليوم نجد المعجبين باليونان القديمة - وبخاصة في أثينا في القرن الخامس - الذين يرون كل أثيني جديرا بتقدير خير ما في الفكر البشري والأمل الإنساني. وهؤلاء المعجبون هم الكلاسيكيون الذين يعتقدون أن الرق نفسه لم يكن في الحقيقة رقا، وأن أفضل ترجمة للفظ اليوناني للرقيق (دولوس) هو «زميل في العمل». ومن الطبيعي في جيلنا الواقع أن يتعجب المرء كيف أنه لم يكن في أثينا - حتى في ميدان الفن والأدب - ما يماثل موسيقانا العاطفية العامة، وصورنا الفكاهية الشائعة، ومجالاتنا الشعبية، وألواننا البراقة، وهدايانا التي لا نفع فيها، وطرقنا الرئيسية للسيارات التي تقع على جوانبها المباني القبيحة. لم يصل إلينا ما يماثل ذلك، ولكن ربما كان الزمن يتخير للبقاء أفضل الأشياء.
وليس بالإمكان اليوم أن نرى رأيا نهائيا موضوعيا يقع وسطا بين حكم أفلاطون على مواطنيه وحكم بركليز عليهم، وربما أمكننا أن نطبق هنا كذلك مبدأ الوسط الذهبي الإغريقي وكانت الثقافة الأثينية في أوجها ملكا لجميع الأثينيين من بعض الوجوه، ولكن الأثينيين جميعا لم يعيشوا وفقا لمقاييسها في كل لحظة من اللحظات. وقد كانت أوسع انتشارا في الميادين الجمالية منها في الميادين العقلية البحت. وفي الحياة السياسية والخلقية كان الأثيني من العامة أبعد ما يكون عن الوسط الذهبي، وعن «الفضائل المدنية» التي يتحلى بها أي اجتماع في أية مدينة من مدن إنجلترا الجديدة. ولم يكن رجال خياليون من أمثال جلبرت مري على خطأ تام في صميم الأمر؛ فقد كانت في أثينا - في واقع الأمر - حماسة، وطاقة مندفعة، ومغامرة، لم تتمثل في الآراء التي وردت في كتب الدراسة عن الثقافة العظمى. ويستطيع المرء أن يجرد الموضوع من كل ما يحوطه من أحكام عاطفية، ويقول إن الإغريق في الثقافة الكلاسيكية ربما وضعوا المثل العليا في الاعتدال، وضبط النفس، والانسجام «لأنهم كانوا في واقع حياتهم مندفعين نحو المبالغة في كل أمر من الأمور». وربما كان الإغريق الكلاسيكيون متطرفين مشاغبين، متقلبين غير ثابتين، غير مروضين، فكانت مثلهم الثقافية نوعا من التعويض عما فقدوه.
ولعل خير من يصور في إنجاز روح الحياة الأثينية ثيوسيديد، وقد كان هو ذاته محافظا معتدلا، رسم لأهل كورنثيا صورة حية تمثل المفارقة بين حيوية الأثينيين وتراخي الإسبرطيين: «الأثينيون ثوريون، وتتميز خططهم بالسرعة في التصوير والتنفيذ. أما أنتم أيها الإسبرطيون فعندكم القدرة الفائقة على الاحتفاظ بما لديكم، وهي قدرة مصحوبة بالافتقار الكامل إلى الابتكار. وعندما تضطرون إلى العمل قلما توغلون. هم مغامرون فوق قدرتهم، وجريئون إلى حد أبعد من أحكامكم. وهم عند الخطر شديدو الحماسة. أما أسلوبكم فهو المحاولة على مستوى أدنى مما تمكنكم قدراتكم، والشك حتى فيما تؤكده أحكامكم، والظن بأن أخطاركم ليس لها نهاية. هم يعجلون، وأنتم تؤجلون. ليسوا مطمئنين في ديارهم، ولستم مطمئنين بعيدا عنها. هم يأملون بهجرتها أن يمدوا من أملاكهم، وأنتم تخشون أن يتعرض ما تملكون للخطر من أي مشروع جديد . ما أسرعهم إلى متابعة النجاح، وما أبطأهم في التراجع عن نقيضه. هم يبذلون أجسامهم بذلا سخيا في سبيل الوطن، ويجندون عقولهم في غيرة لخدمة البلاد. والمشروع الذي لا ينفذ هو في أعينهم خسارة واضحة، والمشروع الناجح فشل نسبي. إذا أخفقوا في محاولة عوضوا الخسارة بالتعلق بآمال جديدة. وعلى خلاف أي شعب آخر، الأمل عندهم تحقيق، فما أسرعهم في تنفيذ الأفكار. إنهم لا يكفون عن العمل في وجه المتاعب والأخطار طوال حياتهم، ينهمكون في التحصيل، وقلما يستمتعون بما يحصلون. ولا يرون في يوم العطلة إلا أن يعمل المرء ما تتطلبه المناسبة. وليس العمل الشاق عندهم من سوء الحظ كانعدام العمل والراحة. ويستطيع المرء في إيجاز أن يقول - وهو على حق - إنهم ولدوا في هذه الدنيا لكيلا يريحوا أنفسهم أو يريحوا غيرهم».
الديانة الإغريقية كمقياس للثقافة
إننا لم نجد إجابة مباشرة لهذا السؤال: إلى أي حد تغلغلت الثقافة العظيمة في المجتمع الإغريقي؟ ولا يسع الأمريكي المثقف الحديث إلا أن يقيس بمشاعره، وفروضه، وتساؤله في الثقافة الأمريكية، الثقافة الإغريقية. إنه يعتقد في وثوق أن إمرسن وهويتمان - بالرغم مما ترى المعلمات - ليسا عند أكثر الأمريكيين إلا مجرد اسمين، وهو يشك في أن سقراط وإيسكلس في أثينا القديمة - التي لم يكن فيها حتى المعلمات - لم يكونا كذلك سوى اسمين عند أكثر الأثينيين. وقد تبين لنا أخيرا أن هذه النظرة على الأرجح تحريف للحقيقة، وأنه لم يكن هناك في الواقع في أثينا - تلك المدينة الصغيرة نسبيا - في القرن الخامس تمييز واضح بين أصحاب الثقافة العميقة وأصحاب الثقافة الضحلة.
ومن حسن الحظ أن يجد تاريخ الفكر مصادر غير الأدب والفلسفة، ومن أفضل هذه المصادر تاريخ الديانة. وليس من اليسير حتى في هذا المجال أن نتعرف عقائد الرجل العادي وسلوكه، ولكن من الجلي الواضح أنه كانت لديه معتقدات دينية، وأن هذه المعتقدات كانت لها علاقة بمسلكه، وليس من شك في أن هناك من أرباب الفكر المتطرفين من يؤمن حقا بأن ما وصف به لابريير الفيلسوف الأخلاقي عامة الفلاحين الفرنسيين قبل الثورة العظمى من أنهم «حيوانات تشبه الآدميين»، إنما هو وصف موضوعي لعامة الرجال والنساء، وأن أمثال هؤلاء الرجال والنساء ليسوا حقا ذوي كفاية للحياة العقلية. ولكن هذا الرأي المتطرف، وإن كان يجعل صاحبه يحس بالاستعلاء وهو مطمئن، لا يتفق وواقع السلوك البشري؛ فإن فكرة الإله قد تعني الكثير لرجل الدين المتعلم مما لا تعنيه عند عامة المؤمنين الجهلاء. ولكن من الخطأ الفاحش أن نقول إن فكرة الإله لا تعني «البتة شيئا» للمؤمنين الذين تعوزهم القدرة على التعبير.
وقد كانت هناك ديانة إغريقية رسمية، بل وثابتة من بعض النواحي، في العهد الأعظم للثقافة الإغريقية. وأما ما يجعل من العسير علينا أن نصف - بله أن نفهم - هذه الديانة الرسمية، فهو أنه لم تكن لها أصول ذات قواعد، ولم يكن لها كتاب مقدس، أو كهنة محترفون، أو كنائس - لم يكن لها على الأقل شيء من هذه العناصر في صورها التي تجعلها تربيتنا المسيحية مألوفة لنا. وهذه العقيدة في آلهة الأولمب لم تعن - في مصطلح العقيدة - أكثر من الاعتقاد بأن الآلهة موجودة، وأن لكل منها قدرات خاصة وصفات خاصة، وأن ما تقوم به يمكن أن يكون له في حياة المرء أثر. لم تكن هناك مذاهب، أو أصول الدين، ولم تكن هناك - فوق هذا - عقيدة بأن هذه الآلهة هي وحدها الموجودة. نعم كان هناك قساوسة وقسيسات يقومون فعلا بالكثير من الطقوس الدينية في المعابد، ولكنهم لم يكونوا كأسباط اليهود أو أكليروس الكاثوليك، جماعة تنفصل تمام الانفصال عن بقية الناس، وإنما كانوا إلى حد ما قساوسة غير متفرغين. وكانت هناك بطبيعة الحال مبان للمعابد، ولكن ديانة الإغريق التي تعتقد في آلهة الأولمب لم تكن لها كنائس بالمعنى الذي تحمله لفظة «كنيسة» لنا من أنها جماعة من المؤمنين توجد في داخل مجتمع الدولة الأوسع. وما كان الإغريقي ليفقه فكرة الأمريكان عن حرية العقيدة الدينية، أو فصل الكنيسة عن الدولة، وعندما كان يشترك في عيد الإلهة آثنا في أثينا - مثلا - ويدخل معبد آثنا في البارثينون، كان في حالة عقلية تشبه من بعض وجوهها ما نسميه بالوطني، ومن بعض وجوهها الأخرى ما نسميه بالديني. ويشق علينا كثيرا أن نسبر غور حالته العقلية «بكليتها».
Bilinmeyen sayfa