وكان مروان في شغل مما بلغه من أمر الشيعة واستفحالها في فارس والعراق حتى خشي على سلطانه، وقد أجل سفره حتى جاءه الخبر بالقبض على الإمام إبراهيم في صباح ذلك اليوم، فأمر أن يحبسوه في حران، وخرج بجيشه ليبيتوا تلك الليلة في الغوطة ثم يبكرون في صباح الغد. فلما فرغ من العشاء صرف أمراءه وجلس في فسطاطه يدبر شئونه، وكان مشتغل الخاطر كثير القلق لما أحاط به من المشاغل، فلم يستطع نوما. وبينما هو في ذلك إذ جاءه الحاجب يخبره بمجيء الناسك المعروف، فبغت مروان لأول وهلة، ثم شعر براحة واطمئنان عند ذكر اسمه وقال: «ليدخل حالا.»
وما لبث أن دخل صالح في الحالة التي ذكرناها، فرحب به مروان ولم يجرؤ أن يدعوه للجلوس، فابتدره صالح قائلا: «لقد كابدت مشقة كبرى وسفرا طويلا حتى تمكنت من الوصول إليك قبل سفرك.»
فقال مروان: «لعلك جئتني ببشرى جديدة؟»
فقال صالح: «ليست هي بشرى جديدة يا ابن محمد، ولكنني علمت أنهم قبضوا على ذلك الرجل، وأنك حبسته في حران، فإذا أبقيت عليه فإنك لم تفعل شيئا. اقتل، ثم اقتل، ثم اقتل.»
فأطرق مروان ولم يستغرب الرأي ثم قال: «طب نفسا واعلم أنه مقتول.»
فلما سمع قوله تحول يريد الخروج، فأراد أن يدعوه للجلوس، فتذكر ما كان من إنكاره ذلك في المرة الماضية، فلبث صامتا وهو يرى صالحا يسير نحو باب الفسطاط في خطوات طويلة، ورأسه متجه نحو السقف حتى خرج من الباب، ولم يلتفت إلى الوراء.
فعاد مروان إلى هواجسه وقد اطمأن خاطره من بعض الوجوه، وارتاح إلى رأي الناسك، ومال إلى الاعتقاد في كرامته، مع أنه كان من أهل الشكوك في الدين، ولكن الإنسان مفطور على الضعف وحب الذات، فإذا رأى حادثا وافق غرضه - وإن كان مخالفا لاعتقاده - يغلب عليه ضعفه فيصدق المستحيل.
الفصل الخامس والستون
حاييم المنجم
رجع صالح وقد تحقق أن إبراهيم مقتول بعد قليل، وأخذ يفكر في أمر إخوته وذهابهم إلى الكوفة، وما يكون من أمر أبي سلمة، حتى إذا عاد إلى خادمه سليمان وجده في انتظاره وقد أعد الجملين، فركبا وسارا مسرعين. وقبل خروجهما من الغوطة، ترجل صالح عند بحيرة هناك اغتسل فيها، وأصلح شعره، ولبس ثيابه، وتلثم بالكوفية، والتف بالعباءة، وسار يطلب العراق وهو يكاد يواصل السير ليلا ونهارا حتى لا يسبقه العباسيون إلى أبي سلمة. وبعد مسيرة أيام، أشرف في الصباح على الكوفة فأطل على حمام أعين، فرأى قصورها وحدائقها وفساطيطها، وتذكر المهمة التي جاء من أجلها، فأيقن أنه فائز بتحقيق هدفه في إخفاق أمر العباسيين؛ لمقتل إبراهيم ومجيء إخوته وسائر أهله إلى أبي سلمة، فيهون عليه إغراؤه بقتلهم أو حبسهم، فتذهب دولتهم، ويقوى الشيعة على أبي مسلم فيفشل، ويسهل عليه الانتقام منه.
Bilinmeyen sayfa