Ebu Bekir es-Sıddık: İlk Halife

أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين

Soruşturmacı

الشيخ خليل شيحا

Yayıncı

دار الكتاب العربي

Baskı

١٤٢٤هـ

Yayın Yılı

٢٠٠٤م

مقدمة المؤلف
أحمد الله على نعمائه الجمة وآلائه التي لا تعد ولا تحصى، وأستغفره من كبائر الذنوب وصغائرها، وأسأله الهداية والتوفيق، وأصلي وأسلم على محمد رسول الله ﷺ.
أما بعد فقد كنت شديد الرغبة في تأليف سيرة رسول الله ﷺ لنشرها على العالم الإسلامي فقضيت الأيام والليالي الطوال في الإطلاع والبحث في السير فجمعت شتاتها وشرحت الغامض منها وحققت الروايات وأثبت تواريخ الوقائع ورددت على الاعتراضات والترهات ردودا مدعمة بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة، فجاء الكتاب وافيا بغرضي من حيث إيصال المعلومات الصحيحة إلى العالم الإسلامي. ولما فرغ طبعه، تلقاه الناس بالقبول والاستحسان وأقبلوا على مطالعته بشوق وشغف ونال بحمد الله وفضله رضا العامة والخاصة وتواردت علي رسائل التفريط والتشجيع من الكبراء والعلماء والأدباء حتى عجزت عن شكرهم على ثقتهم بشخصي العاجز الضعيف، وشعرت بقوة تدفعني إلى مواصلة البحث والتأليف بالرغم من كثرة المشاغل الدنيوية. وقد سألني كثير من الأصدقاء الأعزاء أن أتبع سيرة رسول الله بسير الخلفاء بالطريقة نفسها التي انتهجتها، فسرتني فكرتهم ولم يسعني إلا إجابة طلبهم واستخرت الله تعالى أن أكتب سيرة أبي بكر الصديق ﵁ فإنه أول الخلفاء الذين أمرنا رسول الله بالاقتداء بهم والاهتداء بهديهم.
لما توفي النبي ﷺ ارتجت العرب واختلف المسلمون ولا سيما الأنصار والمهاجرون في الخلافة فتدارك الأمر أبو بكر بحكمته وسرعة بديهته وتمت له البيعة بالإجماع. وقد برهن ﵁ أنه أكفأ رجل وأنه رجل الساعة وقتئذ لأن العرب عندما سمعوا بوفاة رسول الله ارتد كثير منهم واستفحل أمر المرتدين في جزيرة العرب وظهر المتنبئون وجمعوا جيوشهم وثاروا على المسلمين. فمنهم من خرج عن الإسلام ومنهم من منع الزكاة ووضع الصلاة وأباح المحرمات وطرد كثيرا من الولاة، ولولا شدة تمسك أبي بكر بسنة رسول الله وقوة عزيمته وشجاعته لتغلب المرتدون وقضوا على الإسلام قضاء مبرما. ولقد هال أمر المرتدين في بادئ الأمر كبراء الصحابة، ولكن أبا بكر ثبت ولم يتزعزع وظهرت كفايته في إرسال الجيوش واختيار القواد والولاة إلى جميع أنحاء العرب، فكبح جماح المرتدين وهزمهم شر هزيمة واستتب الأمن في البلاد في أقل من سنة. ولم يقتصر على ذلك بل بعث الجيوش إلى العراق والشام فانهزمت الفرس والروم ومن والاهما من العرب وتعدى المسلمون في

1 / 11

فتوحهم شبة جزيرة العرب. وقد تم ذلك كله في مدة خلافته وهي سنتان وأشهر، ولا شك أن هذه مدة قصيرة بالنسبة إلى ما تم في خلالها من جلائل الأعمال، وقد مهد بذلك طريق الفتوحات الإسلامية لمن جاء بعد من الخلفاء واتضحت بذلك حكمة رسول الله في اختيار أبي بكر بعده.
وقد كان ﵁ مع ذلك لطيفا وديعا متواضعا زاهدا في الدنيا متقشفا عادلا غير طامع في ملك أو غنى، بل كان كل همه نشر الإسلام وتوطيد أركانه واتباع سنة رسول الله. وقد كان مؤلفا لقلوب المسلمين. وعلى العموم كان خير قدوة لهم في دينهم ودنياهم. وقد اختار لهم خير من يصلح للخلافة بعده وهو عمر بن الخطاب ﵁ الذي كان وزيره وقاضيه وملازما له طول مدة خلافته وذلك حفظا لكيان الإسلام.
هذا هو أبي بكر الصديق خليفة رسول الله الذي عنيت بترجمة حياته وشرح خلافته ومآثره في كتابي هذا.
وإني لأرجو الله ﷾ أن أكون قد وفقت في عملي، كما أرجو أن ينتفع به المسلمون ويتدبروا في سير سلفهم الصالح بعد أن سهلت لهم ما يتعسر فهمه من حيث شرح المواقع وسير الرجال وضبط التواريخ وتفسير الألفاظ الغامضة تسهيلا للبحث والمراجعة وتوفيرا للوقت. وإني في الختام أقدم مزيد شكري لجميع الذين أبدوا اهتمامهم وإعجابهم بمؤلفي " محمد رسول الله " ولا شك أني مدين لهم بهذا العطف والتشجيع.

1 / 12

ترجمة حياة أبو بكر الصديق١ ﵁
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله في مرة بن كعب. أبو بكر الصديق بن أبي قحافة. واسم أبي قحافة عثمان، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وهي ابنة عم أبي قحافة.
أسلم أبو بكر ثم أسلمت أمه بعده، وصحب رسول الله ﷺ. قال العلماء: لا يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله، إلا آل أبي بكر الصديق وهم: عبد الله بن الزبير، أمه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون، وأيضا أبو عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ﵃.
ولقب عتيقا لعتقه من النار وقيل: لحسن وجهه، وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: " أبو بكر عتيق الله من النار "٢ فمن يومئذ سمي عتيقا. وقيل: سمي عتيقا لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به. وأجمعت الأمة على تسميته صديقا، قال علي بن أبي طالب ﵁: إن الله تعالى هو الذي سمى أبا بكر على لسان رسول الله ﷺ صديقا وسبب تسميته أنه بادر إلى تصديق رسول الله ﷺ ولازم الصدق فلم تقع منه هنات٣ ولا كذبة في حال من الأحوال، وعن عائشة أنها قالت:
لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كان آمن وصدق به وفتنوا به، فقال أبو بكر: إني لأصدقه في ما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبا بكر الصديق.
وقال أبو محجن الثقفي:
وسميت صديقا وكل مهاجر ... سواك يسمى باسمه غير منكر
سبقت إلى الإسلام والله شاهد ... وكنت جليسا في العريش المشهر
ولد أبو بكر سنة ٥٧٣ م بعد الفيل بثلاث سنين تقريبا وكان ﵁ صديقا لرسول الله قبل البعث وهو أصغر منه سنا بثلاث سنوات وكان يكثر غشيانه في منزله ومحادثته. وقيل: كنى بأبي

١- سير أعلام النبلاء: ٢/٦٢٩، معرفة الثقات: ٢/٣٨٧، الثقات: ١/٥٢، تهذيب التهذيب: ١٢/٤٥، تقريب التهذيب: ١/٣٨١، تهذيب الكمال: ١٥/٢٨٢، الاستيعاب: ٣/٩٦٣، الإصابة: ٤/١٦٩.
٢- أخرجه الحاكم في مستدركة "٢/٤٥٠"
٣- هنات: شر وفساد

1 / 13

بكر لابتكاره الخصال الحميدة، فلما أسلم آزر النبي ﷺ في نصر دين الله تعالى بنفسه وماله، وكان له لما أسلم ٤٠. ٠٠٠ درهم أنفقها في سبيل الله مع ما كسب من التجارة. قال تعالى ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ . [الليل ١٧ - ١٩] وقد أجمع المفسرون على أن المراد به أبو بكر. وقد رد الفخر الرازي على من قال إنها نزلت في حق علي ﵁.
كان أبو بكر ﵁ من رؤساء قريش في الجاهلية محببا فيهم مؤلفا لهم، وكان إليه الأشناق١ في الجاهلية، كان إذا عمل شيئا صدقته قريش، وأمضوا حمالته وحمالة من قام معه، وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه، فلما جاء الإسلام سبق إليه، وأسلم من الصحابة بدعائه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأسلم أبواه وولداه وولد ولده من الصحابة فجاء بالخمسة الذين أسلموا بدعائه إلى رسول الله فأسلموا وصلوا.
وقد ذهب جماعة إلى أنه أول من أسلم، قال الشعبي: سألت ابن عباس من أول من أسلم؟ قال: أبو بكر، أما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة
... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس قدما صدق الرسلا
وكان أعلم العرب بأنساب قريش وما كان فيها من خير وشر، وكان تاجرا ذو ثروة طائلة، حسن المجالسة، عالما بتعبير الرؤيا، وقد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية هو وعثمان بن عفان، ولما أسلم جعل يدعو الناس إلى الإسلام قال رسول الله ﷺ: " ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة٢ ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر ﵁ ما علم عنه حين ذكرته له" ٣ أي: أنه بادر به، ونزل فيه وفي عمر ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ [آل عمران: ١٥٩] فكان أبو بكر بمنزلة الوزير من رسول الله ﷺ فكان يشاوره في أموره كلها. وقد أصاب أبا بكر من إيذاء قريش شئ كثير. فمن ذلك أن رسول الله ﷺ لما دخل دار الأرقم ليعبد الله ومن معه من أصحابه سرا ألح أبو بكر ﵁ في الظهور فقال النبي ﷺ "يا أبا بكر

١- الأشناق: جمع شنق أن تزيد الإبل على المائة خمسا أو ستا في الحمالة، وقيل: كان الرجل من العرب إذا حمل حمالة زاد أصحابها ليقطع ألسنتهم ولينسب إلى الوفاء. ويراد بها هنا الديات
٢- كبوة: عثرة وتردد
٣- ذكره الطبري في الرياض النضرة: ص٤١٥، وذكره المعافري في السيرة النبوية: ٢/٩١

1 / 14

إنا قليل"، فلم يزل به حتى خرج رسول الله ﷺ ومن معه من الصحابة ﵃ وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله ﷺ جالس ودعا إلى رسول الله، فهو أول خطيب دعا إلى الله تعالى فثار المشركون على أبي بكر ﵁ وعلى المسلمين يضربونهم فضربوهم ضربا شديدا، ووطئ أبو بكر بالأرجل وضرب ضربا شديدا، وصار عتبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين ويحرفهما إلى وجهه حتى صار لا يعرف أنفه من وجهه، فجاءت بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر إلى أن أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعوا فدخلوا المسجد فقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة، ثم رجعوا إلى أبي بكر وصار والده أبو قحافة وبنو تيم يكلمونه فلا يجيب حتى آخر النهار، ثم تكلم وقال: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فعذلوه فصار يكرر ذلك فقالت أمه: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل فاسأليها عنه. وخرجت إليها وسألتها عن محمد بن عبد الله، فقالت: لا أعرف محمدا ولا أبا بكر ثم قالت: تريدين أن أخرج معك؟ قالت: نعم، فخرجت معها إلى أن جاءت أبا بكر فوجدته صريعا فصاحت وقالت: إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وإني لأرجو أن ينتقم الله منهم فقال لها أبو بكر ﵁: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فقالت: هذه أمك، قال: لا عين منها؛ أي أنها لا تفشي سرك، قالت: سالم هو في دار الأرقم، فقال: والله لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله ﷺ. قالت أمه: فأمهلناه حتى إذا هدأت الرجال وسكن الناس خرجنا به يتكئ علي حتى دخل على رسول الله ﷺ فرق له رقة شديدة وأكب عليه يقبله وأكب عليه المسلمون كذلك فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما بي من بأس إلا ما نال الناس من وجهي وهذه أمي برة بولدها فعسى الله أن يستنقذها من النار، فدعا لها رسول الله ﷺ ودعاها إلى الإسلام فأسلمت.
ولما اشتد أذى كفار قريش لم يهاجر أبو بكر إلى الحبشة مع المهاجرين بل بقي مع رسول الله ﷺ تاركا عياله وأولاده وأقام معه في الغار ثلاثة أيام قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤١]
ولما كانت الهجرة جاء رسول الله صلى الله عليه إلى أبي بكر وهو نائم فأيقظه، فقال رسول الله ﷺ: "قد أذن لي في الخروج" ١. قالت عائشة: فلقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح ثم خرجا حتى دخلا الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام، وأن رسول الله لولا ثقته التامة بأبي بكر لما صاحبه في هجرته فاستخلصه لنفسه. وكل من سوى أبي بكر فارق رسول الله وإن الله تعالى سماه ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ .
قال رسول ﷺ لحسان بن ثابت: "هل قلت في أبي بكر شيئا؟ " فقال: نعم. فقال: "قل وأنا أسمع". فقال:
وثاني اثنين في الغار المنيف٢ وقد ... طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا

١- أخرجه ابن خزيمة في صحيحه "٤/١٣٢"
٢- المنيف: العالي المشرف

1 / 15

فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه، ثم قال: "صدقت يا حسان هو كما قلت" ١
وكان النبي ﷺ يكرمه ويجله ويثني عليه في وجهه واستخلفه في الصلاة، وشهد مع رسول الله بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان بالحديبية وخيبر وفتح مكة وحنينا والطائف وتبوك وحجة الوداع، ودفع رسول الله رايته العظمى يوم تبوك إلى أبي بكر وكانت سوداء وكان فيمن ثبت معه يوم أحدا وحين ولى الناس يوم حنين، وهو من كبار الصحابة الذين حفظوا القرآن كله. ودفع أبو بكر عقبة بن معيط، عن رسول الله لما خنق رسول الله وهو يصلي عند الكعبة خنقا شديدا، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]
قال رسول الله ﷺ: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" ٢، رواه البخاري ومسلم. وأعتق أبو بكر سبعة ممن كانوا يعذبون في الله وهم: بلال وعامر بن فهيرة وزنيرة والنهدية وابنتها، وجارية بني مؤمل، وأم عبيس. وكان أبو بكر إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.
قال عمر ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق ووافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته فجئت بنصف مالي، فقال: "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، وجاء أبو بكر بكل ما عنده، فقال: "يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شئ أبدا٣.
روي لأبي بكر ﵁ عن رسول الله ﷺ ١٤٢ حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث واحد، وسبب قلة رواياته مع تقدم صحبته وملازمته النبي ﷺ أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها، وتحصيلها، وحفظها.

١- أخرجه الحاكم في مستدركة "٣/٨٢"
٢- أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليم وسلم، باب قول النبي ﷺ: " لو كنت متخذا خليلا" " الحديث: ٣٦٥٦"، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ " الحديث: ٢٣٨٢".
٣- أخرجه الحاكم في المستدرك "١/٥٧٤"

1 / 16

بعض الأحاديث المصرحة بفضل أبي بكر
عن عمرو بن العاص: أن النبي ﵇ بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ فقال: "عائشة"، فقلت: من الرجال؟ فقال: "أبوها"، فقلت ثم من؟ قال: "عمر بن الخطاب"١، فعد رجالا، رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله ﷺ: "إنك لست تصنع ذلك خيلاء" ٢ رواه البخاري.
وعن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: "من أصبح منكم اليوم صائما؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ " قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ: "ما اجتمعن في امرئ إلا ودخل الجنة" ٣ رواه مسلم.
وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة، فقال النبي ﵇: "اهدأ فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد" ٤ رواه مسلم.
وعن حذيفة قا: قال رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" ٥ رواه الترمذي.
وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: "أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار" ٦ رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه وسلم: "ما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر" ٧ فبكى أبو بكر وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله.

-١ أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: قول النبي: "لو كنت متخذا خليلا" " الحديث: ٣٦٦٢"، وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق " الحديث: ٢٣٨٤"
-٢ أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: قول النبي: " لو كنت متخذا خليلا" " الحديث: ٣٦٦٥"
٣- أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: من جمع الصدقة وأعمال البر " الحديث: ١٢٠٨"
-٤ أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل طلحة والزبير " الحديث: ٢٤١٧"
-٥ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب عن رسول الله، باب: في مناقب أبي بكر وعمر كليهما " الحديث: ٣٥٩٥ "
-٦ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب عن رسول الله، باب: في مناقب أبي بكر وعمر كليهما " الحديث: ٣٦٠٣ "
٧ -أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب عن رسول الله، باب: في مناقب أبي بكر الصديق " الحديث: ٣٥٩٤ "

1 / 17

ومن فضائله ﵁:
أن عمر بن الخطاب كان يتعاهد عجوزا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل فيستقي لها ويقوم بأمرها، فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها فرصده عمر فإذا الذي يأتيها هو أبو بكر الصديق وهو خليفة، فقال عمر: أنت هو لعمري١
وهو أول خليفة في الإسلام وأول أمير أرسل على الحج، حج بالناس سنة تسع هجرية، وأول من جمع القرآن، وأول من سمى مصحف القرآن مصحفا، وكان يفتي الناس في زمان رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر.
توفي أبو بكر يوم الاثنين ٢٢ جمادى الآخرة سنة ١٣هـ - ٢٣ أب - أغسطس سنة ٦٣٤ وتوفي أبوه بعده بنحو ستة أشهر وله ٦٣ سنة كرسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب.
صفته ﵁
كان أبو بكر رجلا أبيض خفيف العارضين لا يتمسك إزاره، معروق الوجه ناتئ الجبهة عاري الأشاجع٢ أقنى٣ غائر العينين حمش٤ الساقين ممحوص٥ الفخذين يخضب بالحناء والكتم.
زوجاته وأولاده
تزوج أبو بكر في الجاهلية قتيلة بنت سعد فولدت له عبد الله وأسماء، أما عبد الله فإنه شهد يوم الطائف مع النبي ﷺ وبقي إلى خلافة أبيه ومات في خلافته وترك سبعة دنانير فاستكثرها أبو بكر، وولد لعبد الله اسماعيل فمات ولا عقب له، وأما أسماء فهي ذات النطاقين، وهي التي قطعت قطعة من نطاقها فربطت به على فم السفرة في الجراب التي صنعت لرسول الله وأبي بكر عند قيامها بالهجرة وبذلك سميت ذات النطاقين وهي أسن من عائشة وكانت أسماء أشجع نساء الإسلام وأثبتهن جأشا وأعظمهن تربية للولد على الشهامة، وعزة النفس، تزوجها الزبير بمكة فولدت له عدة أولاد ثم طلقها فكانت مع ابنها عبد الله بن الزبير حتى قتل بمكة وعاشت مائة سنة حتى عميت، وماتت.
وتزوج أبو بكر أيضا في الجاهلية أم رومان٦ فولدت له عبد الرحمن، وعائشة زوجة رسول الله، توفيت في حياة رسول الله في سنة ست من الهجرة، فنزل رسول الله قبرها واستغفر لها وكانت حية وقت حديث الإفك، وحديث الإفك في سنة ست في شعبان، فعبد الرحمن شقيق عائشة، شهد بدرا وأحدا مع الكفار ودعا إلى البراز فقام إليه أبو بكر ليبارزه، فقال له رسول الله ﷺ: "متعنا

١- تاريخ الخلفاء: ص٨٠.
٢- الأشاجع: مفاصل الأصابع.
٣- أقنى: طول بالأنف ودقة أرنبة مع حدب في وسطه من غير قبح.
٤- حمش: دقيق.
٥- محموص: أي شديد.
٦- تاريخ الطبري: ٢/٣٥١، والمنتظم: ٤/٥٦.

1 / 18

بنفسك" ١ وكان شجاعا راميا أسلم في هدنة الحديبية وحسن إسلامه، شهد اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل وهو من أكابرهم، وهو الذي قتل محكم اليمامة بن الطفيل الذي كان من قواد بني حنيفة المشهورين، رماه بسهم في نحره فقتله، كما سيأتي ذكر ذلك في موقعة اليمامة، وكان عبد الرحمن أسن ولد أبي بكر وكان فيه دعابة، توفي فجأة بمكان اسمه حبش على نحو عشرة أميال من مكة وحمل إلى مكة، ودفن فيها وكان موته سنة ٥٣ هـ.
وتزوج أبو بكر في الإسلام - أسماء بنت عميس٢- وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب، فلما قتل جعفر تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحي، وأما محم بن أبي بكر، فكان يكنى أبا القاسم، وكان من نسابة قريش، ولاه علي بن ابي طالب ﵁ مصر فقاتله صاحب معاوية وظفر به فقتله، وولد له القاسم.
وتزوج أيضا في الإسلام -حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير الخزرجي٣- فولدت له جارية سمتها عائشة أم كلثوم تزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له زكريا، وعائشة، ثم قتل عنها فتزوجها عبد الرحمن بن عبيد الله بن أبي ربيعة المخزومي.
قال الأستاذ واشنجتون إيرفنج في كتاب "محمد وخلفاؤه":
كان أبو بكر رجلا عاقلا سديد الرأي وقد كان في بعض الأحيان شديد الحذر والحيطة في إدارته لكنه كان شريف الأغراض غير محب للذات، ساعيا للخير لا لمصلحته الذاتية فلم يبتغ من وراء حكمه مطامح دنيوية بل كان لا يهمه الغنى، زاهدا في الفخر، راغبا عن اللذات ولم يقبل أجرا على خدماته غير مبلغ زهيد يكفي لمعاش رجل عربي عادي ولم يكن له سوى جمل وعبد، وكان يوزع ما كان يرد إليه في كل يوم جمعة إلى المحتاجين، والفقراء، ويساعد المعوزين بماله الخاص.

١- أخرجه الحاكم في مستدركة "٣/٥٣٩".
٢- تاريخ الطبري: ٢/٣٥١ والمنتظم: ٤/٥٦.
٣ تاريخ الطبري: ٢/٣٥١، والمنتظم: ٤/٥٦.

1 / 19

حديث السقيفة١ وبيعة أبي بكر الصديق
توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة "٩ حزيران يونيه سنة ٦٣٢ م " فهب الأنصار يطالبون بالخلافة قبل أن يدفن رسول الله مع أم المهاجرين لم يكونوا قد فكروا في الخلافة، بل كان كبار الصحابة مشغولين بتجهيز رسول الله ودفنه، وطمع سعد بن أبي عبادة في أن يكون خليفة ويكنى أبا ثابت وكان نقيب بني ساعدة٢ والسيد المطاع في الخزرج.
اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة وجاؤوا بسعد بن عبادة وهو مريض بالحمى ليبايعوه وطلبوا إليه أن يخطب، فقال لابنه أو بعض بني عمه: إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي، ولكن تلق مني قولي فأسمعهم، فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيسمع أصحابه.
خطبة سعد بن عبادة٣
قال سعد بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن محمدا ﵇ لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به من قومه إلا رجال قليل، ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله، ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما٤ عموا به، حتى إذا أراد [الله] بكم الفضيلة، ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة، فرزقكم الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوه حتى استقامة العرب لأمر الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا حتى أثخن الله ﷿ لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض وبكم قرير عين استبدوا بالأمر دون الناس، فإنه لكم دون الناس.
هذه خطبة سعد بن عبادة، فقد كان يرى أن المهاجرين استبدوا بالأمر، وأن الأنصار أحق بالولاية للأسباب التي ذكرها، مع أن المهاجرين لم يكونوا قد اجتمعوا، ولم يتشاوروا في أمر الخلافة، ولم يقرروا شيئا، ولا شك أن هذه الخطبة حازت استحسان الأنصار، ولا سيما الخزرج، فأجابوا بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر فإنك فينا مقنع، ولصالح المؤمنين رضا.
وطبيعي أن يحتج المهاجرون على هذا الكلام فقالوا: نحن المهاجرون وأصحاب رسول الله

١- البداية والنهاية: ٤/٦٩٢، والرياض النضره: ٢/١٩٩.
٢- في الأصل: سعادة، وهو تحريف.
٣- تاريخ الطبري: ٢/٢٤١
٤- الضيم: الظلم

1 / 20