ولم يسع القائد إلا أن يصرح في رسالة له أنه واثق بعد ذلك من النتيجة، وأنه آخذ من فوره في الزحف، ولكنه في الوقت نفسه راح يشتكي من المطر الهطال والمسالك الوعرة، فكان هذا جهد ما فعل.
ولم ير الرئيس بدا من أن يبرق إليه في الخامس والعشرين من مايو يقول: «أظن أنه قد أزف الوقت لكي تهاجم رتشمند، أو تدع هذا العمل جانبا وتأتي للدفاع عن وشنطون نفسها.»
وكأنما أراد ماكليلان في ذلك الوقت أن يكيد للرئيس، أو كأنما أراد أن يخلق مشاكل جديدة يتخذ منها علة لهذا الجمود، فكتب إليه ينتقد الموقف الحربي كله في جميع الميادين، بل إنه لم يقتصر على شئون الحرب فراح ينتقد الحكومة في جميع شئونها.
وتقدم القائد بعد ذلك إلى رتشمند تقدما بطيئا وذلك في شهر يونيو، وكان معه من الرجال والعتاد ما كان حريا أن يكسب به معركة كبرى كما أجمع النقدة فيما بعد، ولكن نابليون الجديد ما كاد يتصل بطلائع الجنوبيين حتى أزمع الارتداد بعد سبعة أيام في قتال غير شديد، ولقد هيأ بهذا التردد للجنوبيين أن يرسلوا المدد إلى جيش لهم كان في طريقه إلى وشنطون يريد تهديدها.
وتلقى وزير الحرب من ماكليلان رسالة فيها دليل يأسه وحيرته، قال: «لو أتيح لي عشرة آلاف أخرى لاستطعت أن أكسب معركة كبيرة في غد. ينبغي ألا تعدني الحكومة مسئولا، وإنها لن تستطيع ذلك. إذا أنا نجيت هذا الجيش فإني أقول لك في بساطة إني في ذلك لن أدين لك بشيء من الشكر، لا ولا لأي شخص في وشنطون، فلقد بذلتم قصارى جهدكم في تضحيته.»
وكان قائد الثوار الكبير، لي، في ذلك الوقت يزحف على وشنطون، وكان على الدفاع عنها بوب أحد قواد الشمال ومعه ثمانية وثلاثون ألفا من الرجال، ولكن جيش لي كان أكثر عددا وأشد بأسا، وتبين أن خير وسيلة لرد لي عن وجهته أن يبادر ماكليلان بالزحف على رتشمند، لا أن يتباطأ ويتراجع كما فعل.
ولما يئس الرئيس منه في هذا السبيل عاد فأرسل إليه يدعوه لحماية العاصمة، وهو لا يدعوه في لهجة الأمر كما كان عسيا أن يفعل غيره من الرؤساء، مخافة أن يغضب القائد في هذا الوقت العصيب، والناس يعجبون من تردد ماكليلان بقدر ما يعجبون من ضبط الرئيس نفسه على هذه الصورة، وطول صبره في موقف لو طاش فيه حلم الحليم لكان له عن طيشه العذر كل العذر، ولن يفوت الرئيس أن يضحك ليهون الأمر على نفسه وعلى الناس، فيقول ذات مرة لمن حوله: «إذا لم يكن القائد ماكليلان في حاجة إلى جيش بوتوماك، فإني أرجو منه أن يعيرني إياه فترة من الزمن.»
ورد ماكليلان على الرئيس بقوله إنه سوف يجيبه إلى ما طلب «إذا رأى الظروف تسمح به»، وكان ذلك في شهر أغسطس.
وعاد الرئيس فكتب يطلب إليه القدوم بكل ما في وسعه من سرعة. وأوفد إليه القائد هاليك يستحثه، ولكنه لم يأبه لذلك كله، ولم يصل إلا بعد قرابة شهر من هذه الدعوة.
وكان أمرا طبيعيا أن تنزل الهزيمة بالقائد بوب، وأن تبيت وشنطون معرضة للسقوط، ولقد عاود الذعر هذه المدينة على نحو ما حدث غداة الهزيمة في معركة بول رن، بل لقد كان الموقف يومئذ أشد هولا؛ إذ اختلفت وجهات النظر في مجلس الوزراء، واحتدم الجدل في المجلس التشريعي، وارتفعت الأصوات بطلب عقد الصلح مع الجنوبيين، الأمر الذي خيف منه أن يؤدي إلى انحلال العزائم.
Bilinmeyen sayfa