...

من أجل التغيير

Yayıncı

دار الفكر المعاصر بيروت-لبنان / دار الفكر دمشق

Baskı

الإعادة الرابعة

Yayın Yılı

١٤٢٦هـ = ٢٠٠٥ م / ط ١

Yayın Yeri

سورية

•
Bölgeler
Cezayir
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
من أجل التغيير
دار الفكر المعاصر بيروت - لبنان
دار الفكر دمشق - سورية

[ملاحظة: جاء في الفصل الثاني (نداء قسطنطة ص:٥١) «واسم المدينة الجزائرية: قسنطينة»]

1 / 1

الإعادة الرابعة
١٤٢٦هـ = ٢٠٠٥ م
ط ١: ١٩٩٥ م

1 / 2

بسم الله الرحمن الرحيم
من أجل التغيير

1 / 3

من أجل التغيير/ مالك بنا نبي.-

1 / 4

المقدمة
هذا الكتاب
مقالات كان مفكرنا الكبير مالك بن نبي قد أودعها مجريات الأحداث في الستينات من هذا القرن. في زمن كانت فيه الجزائر تبني حضورها الدولي، وتلج عصرها الوطني بعد زوال الاحتلال الفرنسي.
وهي مقالات تأتي تماما لمقالات أخرى، أودعها بن نبي كتابا صدر منذ سنوات تحت عنوان (بين الرشاد والتيه)، حين ترجمها من الفرنسية إلى اللغة العربية، وقد اختارها وبوبها، بعدما كانت متفرقات أعداد الصحيفة التي تصدر باللغة الفرنسية باسم (La Révolution Africaine).
لقد صدر كتاب (بين الرشاد والتيه) بعد وفاة مفكرنا بثماني سنوات، عن دار الفكر بدمشق، بعدما أعدت النظر في صياغته العربية.
واليوم أراني- وقد أتممت ما في يدي من تراث مالك بن نبي- مدعوا في ختام مهمتي إلى أن أستكمل حصاد مقالاته الستينية، بنشر ما تفرق منها. لذلك عهدت إلى صديقنا الدكتور بسام بركة، أستاذ الأدب الفرنسي والعلوم اللغوية (اللسانيات) في الجامعة اللبنانية، بترجمتها إلى العربية سوى مقالات ثلاثة أشير إليها في هذا الكتاب بإشارة (ع. م). كنت قد اعتنيت بترجمتها.
لم يبق لدي من وصية مالك بن نبي ﵀ سوى أن أراقب حقوق النشر والترجمة. وإذ وجدت في ابنته (رحمة) اهتماما بتراث والدها، رأيت أن أرد الأمانة إلى أهلها، فتنازلت لها عن الحقوق التي عهد إلي مالك بن نبي بها في وصيته، والتي أنشر صورتها في نهاية هذا الكتاب بخط يده.

1 / 5

قد تكون الأحداث التي انعكست في هذه المقالات كما في المقالات المنشورة في كتابه (بين الرشاد والتيه) قد تجاوزها الزمنا، وقلب التاريخ صفحتها.
فالأنباء عن مسيرة الجزائر دخلت منعطفا جديدا، لكن منهج بن نبي في صياغتها لا يزال الأوفى بالرؤية المستقبلية.
لقد جمعت سائر المقالات بالفرنسية تحت عنوان (من أجل تغيير الجزائر)، بعناية أديب جزائري، هو الأستاذ نور الدين بوقروح، الذي يترامى إلينا من نشاطه السياسي ما أحسبه متلبسا بروح فكر بن نبي، وإذا كان لي أن أستخلص من هذا العنوان تقويما لأهية مقالات بن نبي الستينية، يأتي في التسعينات، فهو إدراك الجيل الجزائري الحاضر، بل والعربي معا لمرامي فكر جار سابقا لمسيرة الأفكار الجارية في عالمنا الإسلامي، بنصف قرن من الزمن أو يزيد.
وهذا يعني أن مجتمعنا الإسلامي أضاع مسيرة قرن بكامله، حائرا في طوفان العصر الحديث، دون أن يستخرج لمسيرته طريقا فاعلا ومثمرا.
بن نبي ومنذ الثلاثينات، وقد استفاق وعيه على أزمة العالم الإسلامي في قبضة الاستعمار، استطاع أن يستخرج القواعد الأساسية للنهضة، وأن يصيح في هدأة السكون الفكري وافتقاد الرؤية، داعيا إلى منهج، يطوي الشعارات التي أرخت لضلال العقود العشرة من القرن العشرين، وعلى سائر المستويات.
فمن كتابه (شروط النهضة) الذي صدر بالفرنسية في الأربعينات، إلى كتابه (وجهة العالم الإسلامي) في بداية الخمسينات، وإلى كتابه (الظاهرة القرآنية) ثم (الفكرة الإفريقية الآسيوية) في الفترة نفسها، ثم الكتب التي تلت، تؤصل المنهج، وتحدد أصول ميلاد المجتمع، وتشير إلى مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، وتبني قواعد البناء الثقافي في كتابه (مشكلة الثقافة)، وتحدد موقع المسلم من عالم الاقتصاد الحديث .. نرى بن نبي الكلمة الهادية إلى المرتقى الصعب في بناء الحضور الإسلامي،

1 / 6

والذي أشاحت عنه مسيرة القرن، حينما استسهلت الحلول، وأفرغت مخزون عنفوان الجيل في صيغ، بادرت الحماس وتلقفته، ليضيع في فضاء العبث، وسراب الرؤية، وهدر الطاقات والثروات في مسارب الاقتصاد العالمي؛ يستهلك الرفاهية كالماشية حتفها في سمنها.
في مقالات هذا الكتاب والذي سبقه (بين الرشاد والتيه)، نقرأ عن بن نبي المؤسس لمنهج يدعو الشباب إلى مزيد فيه، وتعديل في تقاصيله، وتصويب لما كان قد اتكأ عليه فكره من أمثال طرحتها المرحلة التي كتبت فيها تلك المقالات، ثم جاء الزمن يكشف زيفها.
فالذي يبقى من هذا الفكر الرائد هو (المنهج) الذي نقيس به الخطى، ونرسم علامات الطريق.
فنحن اليوم نرقب دراسات لـ (بن نبي) وفكره في كل موطن وفي كل مكان من عالمنا الإسلامي، ونشهد تحليلا يجهد له الشباب الناشئ، فيأوي إلى دفء روحه الإسلامي ونور إرشاده في سبل الفعالية وذلك حتى لا نتيه- ونحن على عتبة القرن الحادي والعشرين- في متاهات قرن مضى، أحاط بفكرنا ومقدراتنا، وجعلنا رهائن عالم صناعي، زجنا جميعا في قفص اقتصاده الاستهلاكي؛ بعض نا يستكين له، فينضو عن كاهله ثوب القضية ورسالتها، وبعض نا يعالج قضبان ذلك القفص بصراخ الاحتجاج وتذكر الماضي.
في هذا الكتاب، الذي هو خاتمة إشرافي على كتب مالك بن نبي، أستودع الجيل أمانة منهج بن نبي، ليضيف إليه عمقا في الرؤية، وطريقا يستشرف المستقبل ويحزم الفكر بحزم الأصالة؛ أصالة تجلس على طاولة العمر، في حضور يمتلك ناصية المسيرة، وكلمة تحاور الأمم وتجاور الثقافات.
بيروت في١٤/ ١٢/ ١٩٩٣
عمر مسقاوي

1 / 7

الفصل الأول
في البناء الاجتماعي

1 / 9

الأفكر والبناء الاجتماعي (*)
الندوة التي عقدت في (نادي الصنوبر)، ستترك بدون شك نتائج إيجايية. إنما ينبغي القول بأن بعض المناقشات تتطلب الإيضاح، وبالخصوص تلك الخطب التي أطلقت عبر المناقشات من أجل الإثبات أو الإشارة إلى السمة العالية للفكر الماركسي؛ فأفقدت القيمة الموضوعية لها بإطلاقها ذلك الادعاء.
فاشتراكي ذو تكوين عالمي، لا يذهب إلى هذا الحد، ولا يدعي أبدا أنه يمكن عرض الاشتراكية، كما يعرض العلم الموضوعي، كالكيمياء مثلا (١).
فماركس نفسه أوضح من ناحية أخرى خصائص طريقته تقريبا في هذه العبارات "الفلاسفة حتى الآن فسروا العالم، أما نحن فنريد تحويله".
فالاشتراكية لا يمكن النظر إليها كعلم إلا في هذا الإطار، أعني بقدر ما تقتضيه التقنية الاجتماعية لتحقيق فكرة جديدة.
فتفسيره للعالم عبر مسلمتيه: المادية الجدلية والمادية التاريخية، يتضمن منذ البداية منهجا ميتافيزيكيا، أفضى في جوانب أخرى لعناء كبير، كذلك العناء الذي ألم بالعالم حينما أراد أن يجدد ضمن التفسير الماركسي بعض ظواهر نظريته، في علم الفلك الفيزيائي، في كتابه (العالم - الحياة- العقل).
لكن الندوة احتفظت من ناحية أخرى باتصال ولود.
وأخص خطاب الرئيس بومدين، الذي طرح للتأمل أكثر من مصطلح. وإذا كانت هنالك أسباب جعلتني في مقالي الأخير أتحدث عن المظاهر الاقتصادية للندوة،

* «١٩٦٧ Les Idées et l'édification sociale»، Révolution africiane، no ٢٢٥، Semaine du ٥ au ١١ juin
(١) هذا التعبيرقيل فعلأ خلال المناقشات.

1 / 11

فإنني أرى من المفيد أن أتحدث في هذه المقالة عن مشكلة الأفكار، التي أثارتها هذه الندوة.
ولنقرأ أولا هذا المقطع من الخطاب:
"إن مجتمعنا هو كبقية المجتمعات الاشتراكية الأخرى يشكو من الانفصال بين الفكر والسياسة، وهذا يمنح الحوار المثمر والإصلاح عبر المناقشات الحية.
من هنا جاء ذلك الخوف التقليدي المتبادل، بين المفكر ورجل السياسة".
عبر صراحة تشرف قائلها، فمن الواضح أن الرئيس بومدين قد أراد أن يبرز نقصا باديا، وبالخصوص في الجانب السياسي. ولكن ينبغي أن نعترف أن الدكتور خالدي في كالمته الموجزة، قد وضع في الكفة الأخرى من الميزان الوزن المناسب، حينما تحدث عن (حركي القلم).
هكذا تكون القضية، قد استقامت لنا في خطورة أبعادها. وينبغي أن نعطيها ما تستحق من أهمية من وجهة نظر اجتماعية.
إن الماركسية التي ادعت بأنها قد تبعت خطى المنهج الهيجلي، قد ورثت من هذا المنهج آلية الجدلية الرائعة. وبالخصوص ذلك المبدأ الذي من حقه أن يفاخر به إذ يقول: هناك مستقبل فلسفي للعالم ومستقبل لعالم الفلسفة.
فهذا المبدأ إذن، قد وضع بين الأفكار المنظمة منهجا فلسفيا، وبين الأحداث الاجتماعية رابطا محددا ومتبادلا.
وهذا يعني أن الترابط المستمر، والتلاحم المؤثر بين المعنيين الفلسفة (الأفكار)، والعالم (بقدر ما يمثل الواقع الاجتماعي) هو أمر ضروري في كل لحظة، وهذا التزاوج هو نفسه مقياس مستوى حضارة ما.

1 / 12