Warathat Mamalik Mansiyya
ورثة الممالك المنسية: ديانات آفلة في الشرق الأوسط
Genres
لاحقا، قالت واحدة من أعضاء هذه الجالية الأرثوذكسية شيئا مشابها. فبعد وصولها إلى الولايات المتحدة من لبنان في السبعينيات، كانت الكنيسة هي ما يربطها بالوطن. وساعدتها في الانتقال إلى الحياة الأمريكية. قالت: «إنها عائلة بعيدا عن عائلتي»، رغم أنها أضافت أن ابنها كان قد اتخذ وجهة نظر مختلفة ، حيث أراد أن يكون عربيا أولا ومسيحيا ثانيا، وابتعد عن الكنيسة نتيجة لذلك. وقالت إن الشيء الجيد في أن تكون متدينا في أمريكا هو أن التدين لم يكن مسيسا؛ فمن الواضح أن مصدر رزق المرء لا يعتمد على دينه. وكانت توضح التناقض بين هذا الوضع والوضع في بلدها الأم، لبنان، حيث نادرا ما يحصل المسيحيون الأرثوذكس على وظائف حكومية. ما كانت تفتقده هو الطريقة السهلة التي يختلط بها الناس في لبنان مع أولئك المنتمين إلى طوائف أخرى، مثل المسلمين والدروز. كانت تعتقد أن المسلمين في أمريكا كانوا أكثر تدينا من أولئك الموجودين في لبنان، وأن كل النساء المحجبات اللواتي رأتهن في ديربورن جعلنها تشعر وكأنها دخيلة بينهن. «الناس هنا يتجمعون حول الدين بدلا من الأمة. ويشعر الناس أنهم إذا تمسكوا بدينهم، فإن أطفالهم سيتزوجون من شخص من نفس دينهم.»
على بعد مائة ياردة فقط من كنيسة الروم الأرثوذكس الضخمة كان يوجد مسجد شيعي، بنفس حجمها تقريبا. أرشدتني موظفة استقبال ذات مظهر جاد وحجاب متشدد إلى لقاء غير مرتب مع إمامها العراقي، حسن القزويني. كان متفائلا للغاية بشأن آفاق طائفته في أمريكا. «إنه مجتمع تعددي، حيث يمكن للمسلمين الاندماج بشكل جيد للغاية. فهو يوفر حريات لا مثيل لها. ويمكننا الازدهار هنا ليس فقط بالمعنى الاقتصادي ولكن بالمعنى الديني.» وللتأكد من أنه حتى غير المتدينين يمكنهم البقاء على تواصل، فضل أن يطلق على المسجد اسم «المركز المجتمعي الإسلامي»، الذي يمكن أن يستضيف حفلات الزفاف، على سبيل المثال، بالإضافة إلى الاحتفالات الدينية. ورغم ذلك، كانت الغالبية متدينة. «في الجيلين الثاني والثالث، قل كثيرا الارتباط بالمنطقة. فالناس ليسوا متحمسين للذهاب إلى الشرق الأوسط؛ ويفضلون قضاء الصيف هنا. لكنهم يحافظون على تقاليدهم الغذائية والاجتماعية، والعديد منهم متدينون بشدة.» وكان لدى الشيعة العراقيين، الذين وصلوا لتوهم، الكثير من الوقت لحضور الشعائر الدينية. «فالدين عامل جذب، وكثيرا ما يثبت أنه أقوى من أي نوع آخر من الانتماء، حتى العرقي.» •••
كان جورج خوري استثناء لقاعدة أن الطوائف المنتمية إلى الشرق الأوسط في ديترويت كانت تميل إلى التجمع حول أماكن عبادتها. فقد كان فلسطينيا مسيحيا يعيش في حي معظم قاطنيه من اليهود. وكان قد تزوج امرأة غير عربية. لم يكن أي من هذا يعني أنه قد غير هويته، كما أمكنني القول بمجرد ترجلي من السيارة خارج منزله. كان الدليل هو لوحة أرقام سيارته:
(أي فلسطين للأبد). كانت غامضة بذكاء. قد لا يعني ذلك شيئا سوى أنه كان صديقا جيدا. لكنني كنت أعرف أن
ترمز إلى فلسطين التي كان أفراد عائلته قد تركوها بصفتهم لاجئين في عام 1948. أخبرني جورج أنه كان قد اختار العيش في حي يهودي من ناحية تحديا للانعزال الطوعي الذي مارسه معظم المهاجرين. وكان يفكر أيضا في أطفاله. بينما كنت جالسا في منزله أشرب فنجانا من القهوة التركية، وتذكرني رائحة الهيل المنبعثة منها بأكواب لا حصر لها احتسيتها في القدس، وبيت لحم، ويافا، قال: «يقترب تقرير معدل الجرائم هنا من الصفر. ويتخرج طلاب المدرسة الثانوية بنسبة مائة بالمائة، ونسبة من يذهبون إلى الكليات تزيد عن تسعين بالمائة، وذلك ما أريده لأولادي. فالأطفال يتأثرون بضغط الأقران. وقد أسعدني أنهم كان لديهم أصدقاء يهود؛ فهذا يعني أنه يمكننا التعايش معا.» كانت قد حدثت بعض المشاكل مع الأطفال الأكبر سنا في المدرسة، وفي مرة قال المعلم للفصل: «لا يوجد شيء اسمه فلسطين». عاد أطفال جورج وهم في حيرة من أمرهم ويتساءلون من يصدقون. لذلك كان يعطيهم دروسا خاصة يوم الأحد، يعلمهم فيها تاريخهم.
وعلى عكس الكلدانيين، كان يرى هويته من منظور سياسي. فالتاريخ الذي كان يدرسه لأطفاله كان تاريخ الظلم الغربي. في الواقع، لم يكن جورج يظن أن المسيحية العربية ستستمر طويلا في أمريكا. وأضاف قائلا: «إن نهاية المسجد ليست قريبة، لكني أظن أنها بداية النهاية للكنيسة.» والمواجهات مع الأمريكيين لم تكن مفيدة. «عندما نتحاور نحن المسيحيين العرب مع المسيحيين الأمريكيين، فإنهم يقولون إنهم معمدانيون أو موحدون. وليس لديهم قداس، ولا تناول، ولا صوم. لذا بدأ العرب في التساؤل، هل نحن الوحيدون الذين لا يزالون يفعلون هذه الأمور؟»
كان ثمة جانب رثائي لدى جورج . وعندما كان يروي لي قصة الشاعر الكبير والبطل الملحمي أبي زيد، توقف وتنهد. وقال: «أنا من آخر جيل سيفهم هذه القصص.» كان لهذا أهمية كبيرة له. «فالقصص تصوغ طريقة تفكيرك؛ فهي تعلمك أن تفكر في الجماعة أكثر من نفسك، وأن تكون كريما. أحاول نقل ذلك إلى أطفالي. لكن أبو زيد كان يقاتل بالسيف فقط. وفي أمريكا لديهم دبابات! ما كان ليحظى بفرصة في زمننا هذا.» لم يكن يفكر فقط في أبي زيد، ولكن في الثقافة التي كان يأمل في أن ينقلها إلى أطفاله. قال بحزن: «المجيء إلى هنا كان أسوأ قرار اتخذته على الإطلاق. ظننت أن الأمر سيكون مثل السلطة، كل مكون يأخذ من نكهة الآخر. لكن الأمر أشبه بالخلاط؛ في النهاية تصبح نكهة كل مكون غير واضحة.» ومع ذلك، لا يزال جيل جورج متمسكا بهويته في الوقت الحالي. قال جورج: «إنها حقبة من حياة المسيحيين العرب، يوشكون فيها أن يصبحوا أمريكيين تماما ومع ذلك لديهم ولاء لعروبتهم.» ومع ذلك، كان يعلم أن الأمريكيين الآخرين لن يفهموا أبدا من هم حقا المسيحيون العرب. «سئلت مرات كثيرة: «متى غيرت دينك؟» وسئل كاهننا المحلي السؤال ذاته.» •••
حاولت أن أفهم لماذا كان كل من يوسف وجورج أقل سعادة بالحياة الأمريكية من اللاجئين الآخرين الذين قابلتهم، وخاصة أولئك الذين هم من أصول عراقية. كان شعوري أن الأمر يتعلق بكونهما فلسطينيين؛ فتجربة المنفى قد أفسدتها معرفة أنها كانت قسرية. وقد مكثا في أمريكا وقتا أطول بكثير وكانا أكثر اندماجا، لدرجة أنهما كانا قد اقتربا من تحقيق الاندماج التام. تساءلت عما إذا كان القدوم إلى الغرب للجاليات المهاجرة يجب أن يكون دائما عقدا تدفع كلفته في النهاية؛ أي استفد من الرخاء الآن، وادفع ثمن فقدان الهوية لاحقا. أم أن الأمر متروك لهم لتشكيل هوية وهياكل مجتمعية بإمكانها أن تدوم. ناقشت هذا الأمر مع يوسف في متجر يديره مهاجر درزي من لبنان. ووافق يوسف على كلامي بقوله: «إننا ننصهر»، مستشهدا ببيت من الشعر الفلسطيني. «واللوم يقع علينا . فنحن لم نجد الغراء.»
كان المتجر يحتوي على مجموعة متنوعة من روائح الشرق الأوسط ونكهاته؛ أكياس من الزعتر البري وبذور اليانسون، وعلب من أوراق العنب والزيتون، وحلوى لبنانية مغطاة بالدقيق. جاء حليم، صاحب المتجر الدرزي، من خلف كومة من علب أكياس شاي الوزة وانضم إلى المحادثة بصوته اللطيف. قال: «عليك أن تتمسك بثقافتك، وإيمانك، وتراثك إذا كنت لا تريد أن تضيع هنا، وسط هذا المحيط الكبير. لكننا نحن الدروز ليس لدينا كنيسة. ليس لدينا مسجد. ليس لدينا معلم. فنحن نمارس ديننا بشكل فردي. ويوجد في لبنان شيوخ يبقوننا متحدين. لكن لا يوجد شيوخ في أمريكا؛ ربما لهذا السبب نحن ماديون للغاية هنا. وكثير من الناس يفتقرون إلى الإيمان بالعقل الكوني.» فمدارس جاليتهم تعلم الأطفال اللغة العربية، وليس الدين. كما أن قلة أعدادهم جعلت من الصعب على الأطفال العثور على أزواج وزوجات من الدروز.
كنت أعرف أن الدروز كانوا يواجهون صعوبة كبيرة في شرح عقيدتهم للثقافة الدينية المنفتحة في أمريكا. أخبرتني ميليا، وهي امرأة درزية نشأت في دالاس، تكساس، عن اليوم المحرج في المدرسة الذي اضطرت فيه هي وبقية التلاميذ في الفصل إلى الوقوف ووصف دينهم؛ ما يومه المقدس في الأسبوع؟ وما معتقداته؟ وما نوع الصلوات به؟ قالت: «أنا درزية. ليس لدينا يوم مقدس، ولا أعرف معتقداتنا، ولا يتوجب علي مطلقا أن أصلي.» قالت المعلمة: «أنت تختلقين هذا الأمر! سأخبر والدتك.» وبالطبع، عندما فعلت ذلك، تمكنت والدة ميليا من تأكيد أن كل هذا كان صحيحا. أخبرتني ليندا، وهي أكاديمية درزية تعيش في بلدة آن آربر الهادئة المثقفة: «إنه أمر غريب حقا على الآخرين الذين يلتزمون بطقوس أن يفهموا طبيعة ديننا. إنه مثل النظام الصيني؛ فلدينا تقاليد ولكن ليس لدينا قواعد.» وعلى الرغم من علامات الاختلاف هذه، لاحظت ليندا اهتماما متزايدا بالهوية الدينية بين الجيل الأصغر من الدروز الأمريكيين. قالت: «ابنتي الآن في الثلاثين من عمرها، وهي تطرح أسئلة حول الثقافة الدرزية. إنها مهتمة بذلك الأمر أكثر من الثقافة اللبنانية. يزداد تعريف أفراد جيل الشباب لأنفسهم على أنهم دروز. فهم أكثر تعصبا.» لم أستطع أن أتخيل كيف يمكن للمرء أن يكون متعصبا في اتباع دين ليس له قواعد أو طقوس. ومع ذلك، فإنه، على ما يبدو، حيثما تكون الجاليات الأمريكية من الدروز أكثر عددا، يزيد الحماس بشأن التقاليد. وقالت إنه حتى في كاليفورنيا كان يوجد شيخ درزي.
Unknown page