Usus Thaqafiyya Li Umam
الأسس الثقافية للأمم: الهرمية والعهد والجمهورية
Genres
في الحالة اليونانية، ووجه تصور هرمي أسبق - وإن كان عالميا - بشأن الإمبراطورية والأرثوذكسية، وفي القلب منه عنصر التبعية للكرسي الرسولي، بتحد، وحل محله مبدئيا تصور إقليمي وجمهوري حصري لأمة يونانية صرف. إلا أن مفاتن رؤية «العالم المسكون» الأرثوذكسي المتمركز على القسطنطينية ظلت تمثل مصيرا بديلا ذائعا لأمة يونانية متوسعة، ولم يمر وقت طويل حتى شجعت فسيفساء جزر البلقان، الدينية واللغوية العرقية المعقدة على ترجمة هذه الرؤية البديلة إلى حركة سياسية وسياسة عامة. في هذه الأثناء، كان التراث البيزنطي يعاد تفسيره ويلحق بتصور شامل عن الأمة اليونانية الألفية، بحيث أصبح العصر الذهبي للإمبراطورية البيزنطية وعقيدتها الأرثوذكسية، على غرار العصر الذهبي لأثينا الكلاسيكية، نتاج العبقرية المبدعة لتصور مستلهم من الماضي بشأن الأمة اليونانية.
7
ثانيا: كانت تلك التصورات الأسبق في كثير من الأحيان متغلغلة في الطبقات الأقل تعرضا للأفكار الغربية والتغيير الاجتماعي؛ ولذلك، غالبا ما كان الصراع الأيديولوجي داخل أمة أو دولة قومية ما مصحوبا بانشقاق اجتماعي، محلي الطابع ومفتت في بعض الأحيان، وسياسي الطابع وانفجاري في أحيان أخرى. إلا أنه على الرغم من أن هذا الانقسام غالبا ما تجلى في صورة نفور العامة من المثال الجمهوري أو معارضتهم له، فإنه كان مصحوبا بصراعات علنية داخل أوساط النخبة المثقفة الأكثر تأثرا بالغرب؛ إذ كان أنصار قضية الأمة الجمهورية يتعرضون لهجوم من المفكرين الآخرين المرتبطين بمثل الأمة القائمة بقدر أكبر على مبدأ الهرمية أو العهد. وبخلاف النخبة المثقفة اليونانية، ربما تكون أشهر هذه الانقسامات العامة هي الصراعات الطويلة الأمد بين المحافظين والجمهوريين الراديكاليين في فرنسا القرن التاسع عشر ، والمعارك الكلامية المحتدمة بين أنصار النزعة السلافية وأنصار النزعة الغربية في روسيا القرن التاسع عشر في الفترة نفسها. وخارج أوروبا أيضا، يمكننا أن نوضح مثل هذه الصراعات بين النخب المثقفة في مصر في أوائل القرن العشرين؛ حيث تحدت الحركة الفرعونية تفوق الهوية العربية الإسلامية، ونجد ذلك في الهند حيث أعلن الإحيائيون الهندوس، منذ حركة أريا ساماج وحتى حزب بهاراتيا جاناتا، للهند مصيرا بديلا من ذلك الذي رسمته القومية ذات الطابع الجمهوري والاجتماعي المسيطرة التي تبناها حزب المؤتمر الوطني الهندي.
8
ثالثا: عندما لا تسفر تلك الصراعات الأيديولوجية عن ثورة كاملة، فغالبا ما يكون من الممكن حلها جزئيا على الأقل من خلال عملية انتقاء وإعادة تفسير جيلية. في كل جيل، خضعت التصورات المتناقضة عن الهوية القومية للتعديل على نحو متعاقب، وخضعت التقاليد والأساطير والذكريات والقيم القومية التي تحظى بالقبول العام إلى تدقيق شديد واقتطاعات وإعادات تفسير راديكالية بقدر أو آخر، كان الهدف منها هو التأليف بين عناصر من التصورات المختلفة في كيان كلي أكبر وأكثر تماسكا. وشهدت اليونان في القرن التاسع عشر محاولة لتقديم شيء من قبيل هذه التركيبة، حتى إن النزعة الجمهورية الهيلينية امتزجت بالمعايير الدينية العرقية المأخوذة من مثال للأمة هو أقرب إلى المثال «البيزنطي»، لا سيما في النموذج الأيديولوجي الذي قدمه المؤرخ كونستانتينوس باباريجوبولوس. ويمكننا أن نزعم أنه على الرغم من رفض التصور الفرعوني في مصر، فإن بعضا من افتراضاته الأساسية - مثل التأكيد على أرض معينة وبيئة معينة، وتمييز أمة قديمة منفصلة عن غيرها من العرب - أدمج في النظرة القومية السائدة لدى النخب الحاكمة.
رابعا: تساعد آليات الانشقاق الاجتماعي، والصراع الأيديولوجي، والانتقاء وإعادة التفسير عبر الأجيال هذه في شرح كل من الحافز على التغيير الاجتماعي واحتوائه النسبي ضمن الضوابط الاجتماعية والثقافية للدولة القومية. وفي هذا الصدد، لا يكفي استحضار الضغوط الخارجية؛ ذلك أنه بمجرد وجود الدولة القومية الحديثة فإنها تصبح «بطبيعة الحال» جزءا لا يتجزأ من النظام «الأممي» الذي يتكون من الدول القومية التي تحتفظ بالضرورة بشكلها، كما كانت الحال، بلا شك، داخل المملكة اليونانية. في هذه الحالة، كانت العوامل المقابلة، الثقافة الداخلية النابعة من التقاليد الثقافية المشتركة اليونانية ومن الأرثوذكسية، حاسمة بالقدر نفسه، وساهمت هذه العوامل في تحديد نطاق التغيير في الأشكال والتصورات المتعلقة بالأمة اليونانية وتقييد درجته.
أخيرا: فإنني أود أن أوضح أن هذه التقاليد المشتركة هي في العموم متداخلة، بما أنها كلها نابعة من تقاليد ثقافية مشتركة الأصل، تعود في نهاية المطاف إلى العصور القديمة، ويدعمها اعتقاد طويل الأمد بوجود عرقية مشتركة ونموذج نظام اجتماعي عرقي. لا يقتصر الأمر على تداخل أشكال الأمة: الجمهوري، أو العهدي، أو الهرمي في أي لحظة تاريخية معينة؛ فغالبا ما تتمازج هذه الأشكال، ويكثر حدوث ذلك عندما تنتظم في مجتمعات عرقية موحدة بقدر ما أو بآخر، وعلى الرغم من أن نسبة كل شكل من هذه الأشكال يمكن أن تتنوع وأن تنوع، ففي حالة معينة وأثناء فترة معينة، نادرا ما تختفي هذه الأشكال تحت الغطاء الرسمي للخطاب السياسي؛ لذلك، يمكن اعتبار التشكيلات المتغيرة للهويات القومية الحديثة، في أغلب الأحيان، تنويعات كثيرة للتقاليد الثقافية الثلاثة الكبرى وتباديلها.
في هذا الصدد، تعتبر اليونان مثالا يحتذى. كان لزاما أن يعقد نموذجها الجمهوري المسيطر تسوية مع المصير البديل الذي خططه المفكرون الذين اعتمدوا على التقاليد الثقافية للكنيسة الأرثوذكسية والتراث البيزنطي، وهي تقاليد مختلفة، لكنها نابعة من الأصل نفسه. ومما جعل ذلك أسهل أنه لم يكن من الصعب في تلك الأيام الزعم بوجود تراث يوناني ثقافي عرقي طويل الأمد، عمره آلاف السنوات في واقع الأمر، قائم على صمود أشكال اللغة اليونانية، وقائم، بصفة خاصة، على الاعتقاد اليوناني المنتشر بانحدار اليونانيين المعاصرين من أسلافهم اليونانيين القدماء. لقد سبب التحول إلى المسيحية الأرثوذكسية انفصالا اجتماعيا وثقافيا كبيرا عن العصور القديمة الكلاسيكية لدى كثير من اليونانيين المتأخرين، إلا أن المفكرين والسياسيين في القرن التاسع عشر لم يعتبروا ذلك أساسا كافيا لتقويض التسوية مع النزعة البيزنطية التي شجعت على اتباع القوميين الجمهوريين المؤيدين للمشروع الهيليني «فكرة ميغالي».
9
وفيما يتعلق بالصراع الأيديولوجي وإعادة التفسير ، تتشابه سويسرا القرن التاسع عشر واليونان تشابها مثيرا. في سجلات الوقائع القديمة التي تتحدث عن تأسيس «الاتحاد السويسري القديم»، عزيت أصول الاتحاد إلى انتفاضة فلاحين بقيادة فيلهلم تل ضد طغاة أسرة هابسبورج وقلاعهم في خريف عام 1307. كانت خرافة التمرد والتحرر هذه هي التراث المقبول الموجود في «كتاب سارنين الأبيض» الذي يعود إلى عام 1471، وفي كتاب إيجيديوس تشودي الذائع الأثر «الوقائع الهيلفيتية»، وكانت هي أيضا الحكاية المقبولة والمستخدمة من قبل الفلاحين في انتفاضتهم عام 1653 (حرب الفلاحين) ضد حكومات الأقلية الحضرية. حتى يوهانس فون مولر، في كتابه «تاريخ الاتحاد السويسري» الذي يعود إلى عام 1786 - ولذلك فهو مكتوب بعد اكتشاف يوهان جليسر «ميثاق الاتحاد» الأصلي الذي يعود إلى عام 1291 - التزم تقليد تشودي الرائج و«كتاب سارنين الأبيض». ومع ذلك، فإن اكتشاف «ميثاق الاتحاد السويسري» الأصلي في شفيتس الذي وثق ميثاق كانتونات الغابات الثلاث: شفيتس، وأوري، وأونترفالدين، المتفق عليه، وفقا للتقاليد، على مرج روتلي على ضفاف بحيرة لوسيرن؛ أشار إلى تفسير جد مختلف للأصول الاجتماعية والسياسية للاتحاد السويسري؛ فبدلا من الإشارة إلى انتفاضة فلاحين جماهيرية، أشار الميثاق إلى حاجة العائلات البارزة في كانتونات الغابات الداخلية إلى الحفاظ على حقوقهم القديمة التي كان ينتهكها كبار اللوردات الإقطاعيين من أسرة هابسبورج، في وقت فتح فيه ممر سانت جوتهارد الذي يقطع جبال الألب أمام الحركة التجارية المربحة. لم يورد ذلك الميثاق، الذي يعد الأول من بين مواثيق كثيرة بين هذه الكانتونات والكانتونات المجاورة، أي ذكر لفيلهلم تل، أو لانتفاضات جماهيرية وحرائق لقلاع الإقطاعيين، لكنه أكد الحق الحصري للكانتونات، وللمولودين على أرضها، في الحكم على زملائهم الأعضاء، وأبرز الحاجة المطلقة إلى التعاون بين الكانتونات، شاملا الدفاع العسكري، للحفاظ على حرياتهم القديمة. كان هذا موضوعا تكرر في كثير من مجتمعات العصور الوسطى، على سبيل المثال، أبرم البارونات الاسكتلنديون ميثاقا مشابها في «إعلان أربروث» عام 1320.
Unknown page