Thawrat Islam Wa Batal Anbiya
ثورة الإسلام وبطل الأنبياء: أبو القاسم محمد بن عبد الله
Genres
وإن كان امرؤ القيس قد ضرب صنما بالسهام كما يفعل بعض المجازفين لتشويه جمال المعابد في كل عصر، أو يحطم جزءا من تمثال لعظيم لفكرة عارضة تمر بعقل شاذ. وإن عاد سائح عربي من رومة أو إيران في ذهنه أثر الاستخفاف بمعبوده هبل أو يغوث، فإن الكثرة الساحقة من قريش كانت تعتقد أن هذا الإله أو ذاك قادر على جلب الخير ودفع الشر معا،
6
وكانت الكعبة والمسجد الحرام ملجأ مقدسا لمن يهدر دمه فلا يجرؤ أحد على اعتقاله أو قتله ما دام لائذا أو محتميا، ولو كان في قريش مصلحون أو حكماء كزيد بن عامر أو سعد بن المشمت، الذين كانوا يفدون الأسرى ويفكون القيود عن المساجين بمالهم، أو متعبدون يتحنثون يأبون عبادة الأصنام أو يعكفون على العبادة،
7
فهؤلاء كانوا يبطنون خلتهم ولا يدعون إلى شيء غير عبادة الأوثان سرا أو جهرا مكتفين بالخير الذي يصنعون والبذل في تخفيف الآلام مما لا يخرج عن خلة الكرم والرحمة، ولم تخل منها أمة من الأمم مهما كانت عبادتها ومهما بلغت قسوتها في الحياة (ص194، أديان العرب في الجاهلية).
فلا يمكن القول بأن قريشا قلت في قلوبهم كرامة أربابهم أو محبتها وهم يضحون لها بالأنعام والبشر، ويغدقون عليها هدايا الدر والجوهر والذهب والفضة، ويكسونها بأفخر الحرير والخز، ويعلقون على كعبتهم أغلى وأثمن ما لديهم من التحف والحلي، ويعلقون على جدرانها أبلغ ما نظموا من القصائد - وهي خلاصة مواهبهم وغاية ما وصلت إليه عقولهم وأدبهم - ثم حاربوا في سبيل الأوثان بشجاعة وثبات ودفعوا أعمار شبابهم وشيبهم في الحروب الطاحنة التي قامت بينهم وبين النبي
صلى الله عليه وسلم ، وأنفقوا القناطير المقنطرة من الذهب في تجنيد الجند وحشد الجيوش لتجهيز حملتين من أعظم الحملات في تاريخهم، وهما: حملة أحد، وحملة الخندق، وأعدوا حملة ثالثة وهي حملة الحديبية، ولكن تعبئتهم انتهت بمعاهدة مشهورة، وأقاموا مناحة دهرية على قتلاهم في موقعة بدر التي حصدت فيها سيوف المسلمين فريقا كبيرا من عظماء قريش وزعمائها حتى فقدت إحدى نسائهم (هند بنت عتبة وزوجة أبي سفيان) ثلاثة من أقاربها، فقالت: «اقرنوا جملي بجمل الخنساء.» التي اشتهرت في العرب برثاء أخيها صخر. وإذن تكون تلك الخسائر والتضحيات في المال والرجال عند قوم مقتصدي المتجر، ماديي المبادئ والنزعات، تدل على شدة إيمانهم بأصنامهم وتعلقهم بأهدابها، ولم يكونوا على استعداد لتلقي ما جاء به محمد حتى روى القرآن على ألسنتهم:
وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (سورة الأنفال).
العرب حول الكعبة
الكعبة بيت الله الحرام، بناء مربع وهو مقدس منذ بناه إبراهيم وإسماعيل، تؤمه الأعراب من كل فج عميق، وتحج إليه من كل ناحية وتدعو الله بالخير لأنفسهم ويدعون بالشر على أعدائهم معتقدين أن دعاءهم مستجاب في الحالتين.
Unknown page