89

دخلنا بالقطار عبر الجبال دون أن أشعر، طلبت شراب الجين مع ماء الصودا، كانت الكأس الزجاجية تلتقط أشعة الشمس وتعكسها بحلقة من الضوء على البساط الأبيض، مما يضفي على المشروب صفاء ويعطيني إحساسا بأنه مجدد لنشاطي، كمياه الجبل، شربته بنهم كأني لم أرتو منذ زمن.

هناك سلم صغير يمتد من عربة الطعام وحتى القبة حيث يجلس الناس من محطة كالجاري بلا شك في انتظار مشاهدة الجبال. أما المسافرون الذين أتوا متأخرين ويتمنون لو أن الناس ترحل عن مقاعدها فقد اعتلوا بضع درجات من السلم ليشرئبوا بأعناقهم ليتفقدوا الوضع ثم يعودوا ساخطين.

قالت سيدة بدينة ترتدي عمامة: «يبدو أن الموجودين سيظلون جالسين أسبوعا.» قالتها وهي تتلفت حولها لتحدث مجموعة يبدو أنهم أحفادها، كانت تملأ السلم كله بجسدها. ابتسم الكثير منا وكأن القدر ساق إلينا هذه السيدة بحجمها وصوتها العالي وبساطتها لتسري عنا.

كان هناك رجل يجلس وحده بأقصى العربة يستند بظهره على الشباك، وكان ينظر إلي مبتسما، ملامح وجهه تذكرني بوجه أحد نجوم السينما من العصر الماضي، وجهه عجوز لكنه وسيم، يحمل ملامح جميلة تنم عن التصميم واليقظة، وإن غلبه كبر السن. كان يشبه دانا أندروز، أو أحدا مثله. كانت الملابس بلون الخردل تعطيني انطباعا غير سعيد.

لم يأت ويجلس بجواري، بل ظل يسترق النظر إلي من حين لآخر. وعندما نهضت وهممت بترك العربة، أحسست أنه يراقبني، وتساءلت ماذا لو حاول ملاحقتي؟ ليس لدي بال له، ليس الآن، لا أستطيع أن أعيره اهتمامي الآن. فيما مضى كنت مستعدة لأي رجل تقريبا، عندما كنت بسن المراهقة وبعدها أيضا، عندما كنت زوجة شابة، كان أي رجل ينظر لي بأي تجمع، أو نظرات أي مدرس تتعلق بي بحجرة الدراسة، أو حتى نظرات غريب بحفلة ما، كان ربما يتحول إلى الحبيب الذي كنت أبحث عنه دائما - عاطفي، ذكي، وحشي لكنه حنون - شخص يجعلني بطلة بمشاهد الأفلام المتفجرة، البديعة التي يعرفها الجميع. بعد ذلك، بعد مرور سنوات قليلة على زواجي، اعتزمت أن أحول تخيلاتي إلى حقيقة. بالحفلات، عندما أرتدي صدريتي التي تظهر صدري بمظهر أكبر، وأصفف شعري التصفيفة الإيطالية المشعثة، وأرتدي فستاني الأسود ذا الشرائط الرفيعة على الظهر، كنت أبحث عن أي رجل لأقع بحبه، وليقحمني معه بعلاقة ملتهبة. وحدث هذا بطريقة أو أخرى، أنتم ترون أنه ليس بالأمر البسيط، ليس بالأمر الواضح كما سيصدق من يرى حزني الآن، وإحساسي المؤكد بالخيانة. كلا. وقد ترك الرجال علي علامات لم أشغل بالي بإخفائها عن هيو، حيث إن هناك أجزاء من جسمي لم ينظر إليها قط؛ فكما تعرضت للكذب كنت أنا نفسي أكذب. وقد أعرب رجال عن عشقهم الجائع لحلمتي صدري وتلك الندبة عند سرة بطني والشامات على ظهري وقالوا لي أيضا، كما هو جدير بهم أن يفعلوا: «والآن لا تبالغي في أهمية ما فعلناه.» بل كان بعضهم يقول أحيانا: «أنا أحب زوجتي حقا.» وبعد فترة من الوقت أقلعت عن تلك الممارسات وذهبت سرا لزيارة طبيب نفساني قادني إلى أن أفهم أنني أحاول جذب اهتمام هيو، واقترح علي طريقة بديلة لجذب اهتمامه من خلال اللطف والإغراء وفنون الحب في جميع أنحاء المنزل. لم أرد الجدال معه، ولا مشاركته التفاؤل. بدا لي وكأنه لا يفهم طبيعة شخصية هيو فهما حقيقيا، مفترضا أن بعض حالات الرفض تنبع ببساطة من عدم الطلب على نحو صحيح. بالنسبة لي يبدو رفضه أساسيا، مطلقا. ولا يمكنني التفكير في التكتيكات التي يمكن أن تغيره. لكنه كان ذكيا بما فيه الكفاية. وقال إنه يفترض أنني أرغب في البقاء مع زوجي. كان محقا؛ فلا يمكن أن أفكر - لا أستطيع تحمل مجرد التفكير - في بديل.

توقف القطار بمحطة فيلد، مسافة بسيطة بعد حدود مقاطعة كولومبيا البريطانية، فترجلت منه ومشيت بجوار السكة الحديد وريح حارة تهب.

ثم سمعت من يقول: «إنه لشيء لطيف الترجل عن القطار لبعض الوقت، أليس كذلك؟»

تعرفت عليه بالكاد، فهو رجل قصير، تماما مثل نجوم السينما الوسام حسبما أعتقد، ملابسه كانت بالفعل بلون الخردل، السترة والبنطلون بلون الخردل، أما قميصه المفتوح فكان لونه أحمر، وكان حذاؤه خمريا، وكان صوته يوحي بأنه رجل ذو علاقات ومعاملات عامة يومية. «أتمنى ألا أتسبب بإزعاجك إذا سألتك، هل أنت برج الأسد؟» «كلا.» «سألتك لأنني برج الحمل ، وعادة ما يستطيع مواليد برج الحمل التعرف على مواليد الأسد، فهذان البرجان بينهما تفاهم جيد.» «آسفة.» «رأيت أنك شخصية لطيفة أود تجاذب أطراف الحديث معها.»

تركته وعدت إلى القطار، دخلت مقصورتي وأغلقت الباب وجلست أتصفح المجلات، حتى إعلانات الخمور وأحذية الرجال، لكنني شعرت بالأسف، ربما لم يكن يقصد شيئا بالفعل أكثر مما قاله. فأنا بالفعل شخصية يحب المرء تجاذب أطراف الحديث معها. السبب أني سأستمع لأي شيء. ربما كان السبب هو تلك المقالات التي أقرؤها بالمجلة منذ أن كنت مراهقة (عندما أجد أي عنوان يصف حدثا ما أو أحدهم بالشعبية كان يجعل القشعريرة تسري بجسدي ويجبرني على قراءته)، والتي حثتني على تنمية ذلك الفن الاجتماعي الجاذب. لم أكن أقصد إحراجه، ولكن المحادثة وجها لوجه مع أي مؤمن إيمانا شديدا بفكرة أو كذبة - مثل معظم الناس - أو أنه خاض سلسلة من التجارب الغامضة التي يود مشاركتي الحديث عنها، تجعلني مذهولة، وهو أمر كاف جدا ليصيبني بالشلل. كان هيو يقول في هذه الحالة: عليك بالنهوض والابتعاد. وهذا ما أفعله. ••• «سؤالي لك إن كنت من مواليد برج الأسد كان فقط على سبيل تجاذب أطراف الحديث، ما أردت أن أقوله لك شيء مختلف، لكنني لم أعرف كيف أبدأ، في الواقع، مذ أن رأيتك وأنا أعتقد أني رأيتك قبل ذلك.» «أوه، أنا لا أعتقد ذلك، لا أعتقد أنك رأيتني من قبل.» «أعتقد أننا نعيش أكثر من حياة.»

هل ما يقصده بعيش أكثر من حياة هو خوض تجارب متعددة؟ ربما هو على وشك تبرير عدم إخلاصه لزوجته، إن كان له واحدة. «أنا أومن بذلك، لقد ولدت من قبل ومت من قبل، هذه حقيقة.»

Unknown page