وابتعد مترنحا وسط الضباب. كان رجلا ضئيل الحجم، ذا رأس كبير.
وكانت سترته الرسمية كبيرة عليه، بينما غطاء رأسه صغير عليها. •••
وفي تلك الأثناء، كان السيد «خوان كاناليس» يبذل قصارى جهده للاتصال بأخيه «خوسيه أنطونيو». كان سنترال الهاتف لا يرد، وبدأ يشعر بالدوار من جلبة السماعة. وأخيرا أجاب عليه صوت كأنه آت من وراء القبر. وطلب أن يتحدث إلى منزل السيد «خوسيه أنطونيو كاناليس»، وبعكس توقعاته، سمع على الفور صوت أخيه الأكبر آتيا عبر الخط الهاتفي. - أجل، أجل. أنا خوان ... حسبت أنك لم تعرف صوتي ... حسنا، اسمع ... البنت وذلك الشخص، أجل، طبعا طبعا، بالتأكيد ... أجل، أجل ... ماذا تقول؟ كلا! لم نسمح لهما بالدخول. تصور! ولا شك أنهما ذهبا مباشرة من هنا إلى منزلك ... ماذا؟ ما هذا؟ كما توقعت تماما. إننا كنا نرتجف رعبا إلى أن رحلا. نفس الشيء معك؟ إن صحة زوجتك لا تحتمل أي إزعاج، وقد أرادت زوجتي أن تفتح الباب، ولكني لم أدعها تفعل ذلك. طبعا طبعا! هذا واضح. أجل، وأيقظا الحي كله! أجل، فعلا. وكان الأمر أسوأ هنا. لا بد أنهما كانا غاضبين. وأظن أنهما ذهبا بعدك إلى «لويس» كلا؟ أوه، حسنا، سوف يذهبان ...
وفاجأهما الفجر، منبجسا في البداية في شحوب طفيف، متوهجا بسرعة بعد ذلك إلى لون ليموني داكن، ثم برتقالي، ثم إلى احمرار النار المضرمة لتوها ممزوجة باصفرار الشعلات الأولى الجهماء، بعد أن كانا عائدين من الدق بلا فائدة على باب منزل السيد «خوسيه أنطونيو».
وكانت كميلة تردد عند كل خطوة: «سوف أتصرف على نحو ما!»
كانت أسنانها تصطك من البرد. وتطلعت عيناها الكبيرتان الدامعتان إلى الفجر في مرارة لا واعية. كانت تسير على غير هدى كشخص يتتبعه القدر، لا تشعر بما تفعل.
وكانت الأطيار ترحب بالفجر في الحدائق العامة وفي حدائق الأفنية الصغيرة وتصاعد «كونشرتو» سماوي من الأنغام الموسيقية في سماء الصباح الزرقاء بينما تفتحت الورود، وترددت الأجراس الصادحة تقول للرب صباح الخير، مع الضربات الخفيفة لسواطير الجزارين وهم يقطعون اللحم في حوانيتهم، وامتزجت ألحان الديكة وهي تحسب الوقت برفرفة أجنحتها، مع أصوات أرغفة الخبز وهي تسقط بخفة في السلال في المخابز، وأصوات ساهري الليل ووقع أقدامهم مع ضوضاء باب تفتحه عجوز ضئيلة الحجم متوجهة لحضور القداس، أو خادمة تهرع لشراء الخبز لسيدها الذي يجب أن يلحق بالقطار في الصباح الباكر.
كان الفجر يطلع.
وكانت النسور تتشاجر فيما بينها على الأشجار، وتتنازع بمناقيرها على جيفة قطة. وكانت الكلاب تجري لاهثة وراء الكلبات، وقد توهجت عيونها وتدلت ألسنتها. ومر كلب يعرج، ذيله بين قدميه الخلفيتين، والتقت ليلقي نظرة حزينة خائفة وراءه، وقد أبان عن أسنانه. وخلفت الكلاب وراءها شلالات من المياه على الجدران والأبواب.
وكان الفجر يطلع.
Unknown page