Ma Hiya Sinima
ما هي السينما!: من منظور أندريه بازان
Genres
دفع القلق الناتج من احتمالية حدوث تحكم إخراجي كامل في الصورة والمشاهد مناصري الواقعية مثل أنيت كون وجون-بيير جيون، وكذلك صناع أفلام «دوجما 95»، إلى نشر مفاهيم بازان، في فعل دفاعي للحفاظ على الخط الآخذ في التلاشي ضد هجوم سينما ما بعد فيلمية متبجحة، تتفاخر بتلفيق الصور والتلاعب بها وبالجماهير كما تشاء. وبمواجهة الكمبيوتر القوي، يتمسك التقليديون بأن الكاميرا أداة فريدة تلتقط التكوين البصري للحظة ما، بما قد يكشف حقيقتها. هذه هي النظرة الكاشفة إلى السينما التي كان بازان متعلقا بها على الدوام، وإن لم يكن هذا دقيقا تماما.
وربما كان جيون أشد المؤيدين اليوم للاحتفاظ بهذه النظرة؛ إذ يستنكر الطريقة التي حولت بها التقنية الرقمية الانتباه من التصوير إلى المونتاج.
7
حينما كان صانع أفلام كلاسيكي يصرخ: «هدوء في الموقع!» كان يتخلص من كل ما هو غير ضروري، حتى يعزل المكان المقدس، ولحظة الإبداع المقدسة؛ لتثبيتهما على نحو دائم على شريط السيليولويد. كان الممثلون يبذلون أقصى جهدهم، ويعيدون المشهد مرة تلو أخرى أحيانا حتى يخرج المشهد بطريقة جيدة، بينما تتحرك الكاميرا وطاقم الصوت في صمت وفق مسارات متقنة ليجعلوا المناخ في موقع التصوير (سواء في استوديو أو في موقع خارجي) يشبع الصورة أثناء تسجيل أدق انثناءات الممثلين؛ اللحظة المهمة التي تغدو فيها ابتسامة ما مرتبكة، أو يرتعش فيها جفن، سواء عن قصد أو عفويا . أما اليوم، فمواقع التصوير صاخبة، ويمكن أن يصبح مشهد فردي مهلهل أساسا للمشهد النهائي بعد تصحيحه، سواء بالتحرير داخل الإطارات نفسها (بإبدال إيماءة خاطئة أو إزالة شائبة ما) أو بتكوين المشهد كله من أجزاء المشاهد للوصول إلى شيء لم يحدث قط في الواقع. في أكثر إنتاجات اليوم تكلفة، غالبا ما يحل تصوير الممثلين أمام شاشات خضراء محل تفاعلهم وجها لوجه واستجاباتهم البدنية لتصميم المشهد. ما زال سحر السينما موجودا - فهذا ما يجذب الملايين إلى دور العرض - لكن مصدره لم يعد في موقع التصوير، ولا في اللحظة التي سجلت فيها الكاميرا شيئا لا يتكرر. فقد انتقل السحر إلى الكمبيوتر، حيث تكون الموسيقى التصويرية تلفيقات إضافية مصنوعة من عشرات المسارات الصوتية، وتكون الصورة مركبة من عناصر عدة، وليست وحدة متكاملة.
قدمت الحجة المؤيدة للسينما التقليدية الفوتوغرافية بالفعل في مشهد فيلمي في قلب فيلم ريتشارد لينكليتر «حياة يقظة» («ويكينج لايف»، 2001)، وهو العمل الذي يصنف، للمفارقة، بأنه فيلم صور متحركة. من منظور الطائرة المروحية، تهبط «الكاميرا» للأسفل لتقدم الشخصية الرئيسية في الفيلم التي تقترب من دار عرض تعلن ظلتها اسم المشهد: «اللحظة المقدسة». وحالما تتطلع الشخصية من أحد مقاعد دار العرض، يسهب مفكر (يقدم صوته ونص كلمته كافح زاهدي) يظهر على الشاشة داخل الشاشة في الحديث عن رؤية أندريه بازان الغامضة للعالم. يشير زاهدي إلى أن الكاميرا فقط هي التي تستطيع أن تعيدنا إلى الواقع الكامل الذي يحيطنا لكننا نتجاهله عموما؛ إذ ننغمس في مشاريعنا الشخصية الصغيرة. تستطيع الكاميرا أن تصلنا بعالم المظاهر اليومية، وبآنية لحظات فردية غنية لدرجة أنها تسخر من الإيقاع المحموم الذي تتطلبه خططنا منا. يشكل هذا رؤية عامة بقدر كاف لأفكار بازان، أو نزعة «بازانية» مبسطة،
8
ولا بد أن لينكليتر يعلمها؛ لأنه يضعف من هذه العبارات المبتذلة بالتصريح بها خلال مونولوج سريع لشخص مفرط النشاط، ظاهر الاعتداد بالذات، ولا يفصح عما بداخله بسهولة. ثانيا: لا يكاد زاهدي يمثل شخصية على الإطلاق، لكنه صوت مرتبط بمجموعة من الخطوط النابضة المتموجة التي تتخذ شكلا بشريا؛ لأن فيلم «حياة يقظة» مصنوع بتقنية الروتوسكوب من بدايته لنهايته. وعلى الرغم من أن هذا النوع من الصور المتحركة ربما يكون قائما على التصوير السينمائي، فهو يعطي الانطباع بأنه خاضع للتلاعب، حتى وزاهدي يعظ بجمالية قائمة على تجنب التلاعب.
بدلا من نسب آراء زاهدي إلى بازان، ربما يكون من الأفضل نسبها إلى إريك رومير الذي كانت السينما برأيه دائما فن «الإظهار». تشيد مقالات رومير المبكرة مثل «العصر الكلاسيكي» بالسينما وتعلي من شأنها على الأدب؛ لأنها لا تقدم لنا دلالة فعل ما ولكن رؤية الفعل. نرى شخصية ما (ممثلا) وهو يؤدي شيئا ما، ونرى فورا ملاءمة هذا الفعل أو خطأه.
9
لم يستغل أي مخرج «التجلي»، بالمعنى الذي قصده جويس، أكثر مما فعل رومير، سواء أكان هذا كشفا لحقيقة من حقائق الطبيعة - مثل الصمت الذي يسبق الفجر في فيلم «المغامرات الأربع لرينيت وميرابل» («فور أدفنتشرز أوف رينيت آند ميرابل»، «4 أدفنتور دي رينيت إي دي ميرابل»، 1987)؛ أو لون الشمس الغاربة في فيلم «الشعاع الأخضر» («ذا جرين راي»، «لو رايون فير»، 1986) - أم حقيقة موقف اجتماعي ظنت الشخصية أنها فهمته (كل أفلام الحكايات الأخلاقية الست). لا يعرض رومير فقط دراما بين شخصيات، ولكن دراما بين لغة محملة بالإشارات بكثافة، وصور رائقة، مثلما يحدث في اللحظة الرئيسية في فيلم «ركبة كلير» («كليرز ني»، «لو جينو دو كلير»، 1970)، حينما يصف برنارد فعلا بسيطا شهدته الكاميرا، وهو لمسه ركبة فتاة وهما يحتميان من عاصفة مطيرة مفاجئة، ويحاول تقييم أهميته. بشكل عرضي، تنتهي مجموعة أعمال رومير النقدية المعنونة «ذائقة الجمال» بقسم طويل عن جون رينوار الذي يعتبر أستاذ رومير بلا منازع، رغم تعارض مزاجيهما. تعلم رومير جنبا إلى جنب هو وبازان إكبار الجودة الحسية في لقطات رينوار، وجرس الأصوات - المسجلة مباشرة دائما - ومفارقة قصر نظر الشخصية في عالم غني ومتسع.
Unknown page