Jughrafiya Siyasiyya
الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا: مع دراسة تطبيقية على الشرق الأوسط
Genres
مبدأ تعدد الواجهات البحرية الذي هو في حقيقته أمر صحي للدول سياسيا واستراتيجيا. (3)
المبدأ الاقتصادي الذي يجعل من إيلات نهاية جسر لاحتمالات وإمكانات تجارية مستقبلية مع عالم المحيط الهندي الأفرو آسيوي: بترول وماس وخامات أولية وتجارة مصنعات صادرة وواردة.
ولا شك في أن بلغاريا كان يمكن أن تصبح في مركز أقوى فيما لو استبقت لها منفذا على بحر إيجه، وكانت بولندا دائما في موقف ضعيف - فترة ما بين الحربين العالميتين - إلى أن حصلت على واجهة بحرية طويلة نسبيا على البلطيق، وجمهورية زائيري - الكنغو كنشاسا سابقا - في مركز ضعيف اقتصاديا وعسكريا بسبب ضيق جبهتها البحرية ضيقا متناهيا بالقياس إلى مساحتها الضخمة، ويضطرها ذلك إلى الاعتماد على موانئ تسيطر عليها البرتغال في أنجولا بدرجة كبيرة، وميناء دار السلام التنزاني بدرجة أقل.
وبرغم صغر الواجهات البحرية لبعض الدول إلا أنها ما زالت أحسن حالا من الدول الداخلية المحبوسة بجيرانها، خاصة إذا لم تكن علاقات الجيران طيبة أو تسوء في فترة من الفترات، فسويسرا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا والمجر أمثلة طيبة من أوروبا على الدول المعتمدة اعتمادا ضروريا على علاقات حسن الجوار، وجمهورية مالي وجدت نفسها في مأزق حينما ساد العداء علاقاتها بالسنغال، واضطرت إلى ترك الطريق الجغرافي المفتوح عبر السنغال والالتجاء إلى طريق مكلف وعر وموسمي إلى منفذ في ميناء كوناكري - جمهورية غينيا. وتواجه زامبيا مأزقا أشد وأنكى، فهناك حكومتان معاديتان تعترضان طريقها الحديدي الحالي إلى البحر: حكومة البيض في روديسيا وحكومة الاستعمار البرتغالي في موزمبيق، وقد اضطرها ذلك إلى اللجوء إلى طريق طويل وشاق وغير طبيعي عبر مساحتها الشمالية الشرقية الخالية من السكان أو تكاد، وعبر تنزانيا كلها حتى تصل إلى ميناء دار السلام، وقد احتاج الأمر إلى إنشاء طريق بري مكلف وخط أنابيب بترولية مكلف أيضا، وهي بسبيل إتمام خط حديدي أشد تكلفة، فما أصعب المواقف التي تتكامل فيها العوائق الطبيعية والحرمان من واجهة بحرية مع العداء السياسي، وما أشد تأثيره على الحياة الطبيعية للدول! (3) الحدود والظاهرات البشرية
اتضح من الدراسة السابقة أن الحدود إنما هي حواجز اصطناعية يقوم الإنسان بتحديدها وزحزحتها حسب الظروف الزمانية وعلاقات القوى القومية والدولية، وكما أنه كانت هناك دعاوى تؤكد ضرورة وصول القوميات والدول إلى حدود طبيعية - وهي التي يقال إن ريشيليو كان مبتدعها - فإن هناك دعاوى أخرى تطالب باتفاق الحدود السياسية بحدود بشرية مختلفة كالسلالة واللغة والحضارة والدين.
وقد تكون هذه الدعاوى أقرب إلى المنطق من دعاوى الحدود المرتبطة بالظاهرات الطبيعية، فحيث إن الحدود السياسية تحدد أراضي وأملاكا قومية معينة فمنطقي أن تضم - أو تسعى لضم - كل أبناء هذه القومية داخل حدود واحدة من أجل إعطاء توازن حقيقي للدولة مبني على تجانس أفراد الرعية «قدر الإمكان».
وسواء كان هذا أمرا منطقيا أو غير ذلك، فإنه برغم فائدة هذا المنطق لحياة الدول إلا أن ذلك لا يمكن تطبيقه (أ) على الدوام في كل الحالات و(ب) إلى الأبد. وهناك مجموعة من الأسباب تفسر لنا استحالة مثل هذا التطبيق في كافة الحالات منها: (1)
أن توحيد أبناء قومية واحدة «متجانسة سلاليا أو لغويا أو حضاريا أو اقتصاديا» لا يتم إلا بواسطة صراع سياسي وعسكري تعكس نتيجته القوة المنتصرة، وفي هذه الحالة لا نجد رادعا حقيقيا أمام أطماع المنتصر، فهو لا يلجأ فقط إلى محاولة ضم أبناء قوميته التي كانت توجد خارج حدوده، بل إن الانتصار يثمله فيلجأ إلى شتى التبريرات للاستحواذ على مزيد من الأرض على حساب غيره، فيلجأ إلى خلفية تاريخية قد ترجع إلى عقود أو قرون أو آلاف مؤلفة من السنين، كما يلجأ إلى مبدأ تأمين حدوده الجديدة بالاستيلاء على أراض خارجة عن ادعائه السابق، وهو في أضعف الحالات يطلب نزع سلاح شقة حرام على طول الجبهة المواجهة لحدود ادعاءاته السياسية الجديدة، وفي حالات أخرى يعطي لنفسه وصاية على الدولة المهزومة، وفي أقصى الحالات يفتت وحدة الدولة المهزومة أو يحتلها كلها إذا أمكنه ذلك.
والشواهد على هذه الاتجاهات عديدة ولا تدع للشك مجالا؛ فألمانيا النازية طالبت بحدود قومية: احتلت النمسا عسكريا فيما أسمته «بتوحيد الأوصال
Anschluss » في عام 1938، وفي السنة ذاتها ضم الألمان إقليم السوديت التشيكوسلوفاكي وتدريجيا سقطت جمهورية تشيكوسلوفاكيا في صورة حكومتين ألمانية في بوهيميا وسلوفاكية موالية لألمانيا في سلوفاكيا، وفي خلال الحكم النازي من بدايته كانت مشكلات الأقليات الألمانية في بولندا وفرنسا والدانمرك وبلجيكا هي مثار الإعداد للحرب وقيامها، هذا طبعا بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة على رأسها الطبيعة العدوانية للحزب والنظرية النازية، والرغبة في حل مشكلات ألمانيا الاقتصادية على المستوى المحلي والدولي بتنازعها مع كبار محتكري العالم آنذاك: بريطانيا وفرنسا.
Unknown page