وقتل ميريونيس فيريكلوس، ابن تكتون، ابن هارمون، ذي اليدين المدربتين على صنع كل أنواع الأعمال التي تتطلب المهارة. وكانت بالاس أثينا تحبه أكثر من كل الرجال. وكان هو الذي بنى لألكسندروس السفن الجميلة، منبع الكروب، التي صنعت لتجلب اللعنة على كل الطرواديين وعليه هو نفسه أيضا؛ لأنه لم يفهم نبوءات الآلهة. (الإلياذة، 5، 59-64)
أما وحدة «مجد ديوميديس»، التي تستغرق معظم الكتاب الخامس، فهي عبارة عن
aristeia «لحظة الامتياز» الخاصة بواحد من أعظم المقاتلين الآخيين. بعد مناوشات بين العديد من الآخيين والطرواديين، يقتل ديوميديس مجموعة من الطرواديين، ثم يواجه بانداروس، الذي كان قد خرق الهدنة والذي في هذا الموقف يصيب ديوميديس بجرح مثلما أصاب مينلاوس. يمثل الموت العادل للطروادي الغادر إحدى العقد في سلسلة مشاهد القتال. فما دام بانداروس يطلق سهامه من بعيد دون أن يشارك في القتال، لا يستطيع ديوميديس قتله. وعندما يعتلي بانداروس العربة مع إنياس، وهو حليف طروادي مهم (والمقدر له أن ينشئ العرق الروماني، حسبما يرد في تراث لاحق)؛ سيحمله إنياس إلى موضع قريب من القتال الدائر حيث يمكنه أن يموت كالرجال.
ثمة نوع من الصخب في القتال الهوميري، مثلما نجد في قتال الشوارع بين العصابات. ففي هذا الموقف نجد ديوميديس، رغم أنه مدجج بدروع من البرونز ومسلح برمح وسيف، بيد أنه:
أمسك بيديه حجرا، ويا له من عمل جبار، يعجز عن حمله رجلان من رجال هذه الأيام، ومع ذلك فقد تمكن من التحكم فيه بمفرده. وأصاب به إنياس في مؤخرته عند موضع التقاء مفصل الفخذ بالمؤخرة - أي الكأس، كما يدعوه الرجال - وهشم عظمة الكأس وقطع الوترين ومزق الحجر المسنن الجلد تمزيقا. (الإلياذة، 5، 302-310)
تتدخل أفروديت، أم إنياس (ولهذا فهي حامية عائلة يوليوس قيصر، الذي زعم أنه ينحدر من نسل إنياس)، لصالح ابنها، إلا أن ديوميديس ثابت الجأش يهاجمها ويجرح يدها. إن الحرب ليست للنساء، وخاصة إن كانت هذه المرأة هي إلهة الرغبة الجنسية!
قد يذكرنا هذا النوع من المشاهد بأنه من غير المحتمل أن يكون جمهور هوميروس قد اشتمل على النساء، على الأقل حسبما هو مألوف؛ ففي وصف «الأوديسة» «للمنشد الملحمي»، نجد أن كل الجمهور من الرجال باستثناء أريت، الملكة، على جزيرة فياشيا. فمن شأن جمهور كله من الرجال أن يستمتع بقصة «جرح أفروديت»، التي يرجع أصلها إلى بلاد ما بين النهرين والتي تشتمل عليها وحدة «مجد ديوميديس»، التي تحكي أنها هربت شاكية إلى زيوس، الذي وبخها برفق على سلوكها غير اللائق (للاطلاع على نموذج بلاد ما بين النهرين لهذه القصة، طالع قسم «هوميروس والشرق الأدنى» في الفصل الثاني: ملحمتا هوميروس عند المؤرخين). وتبدي أثينا ملاحظة دنيئة حقا؛ إذ تقول إنه لا بد وأنها أصابت نفسها بخدش من دبوس زينتها وهي تحض إحدى النساء الآخيات على ممارسة الجنس مع طروادي (الإلياذة، 5، 421-425).
إن دخول أفروديت المعركة هو دخول هزلي، بيد أنه عندما يظهر آريس إلى جانب هيكتور، يرتعد الآخيون خوفا. وهذا هو هدف هوميروس الأعظم، أن يجعل الآخيين يتقهقرون إلى الخلف، ولكنه يريد أولا أن يجسد عظمة الحرب وتعقيدها. فالحروب العظمى تستلزم خصوما عظماء، وهوميروس يبرهن على بسالة الحليف الطروادي ساربيدون بإظهاره وهو يقتل رجلا يدعى تليبوليموس في مبارزة طويلة. إننا بحاجة لأن نرى عظمة ساربيدون؛ لأنه في أزهى أوقاته سوف يقتل على يد باتروكلوس في جزء حاسم من القصة.
لا يؤدي تدخل آريس إلا إلى تحريض هيرا وأثينا على مناوأته، ويسخر هوميروس من المشهد النمطي لتسلح أحد الأبطال استعدادا للمعركة حينما يروي كيف أن أثينا:
ابنة زيوس الذي يحمل الدرع «أيجيس» تركت رداءها المطرز بسخاء ينزلق عنها على عتبات أبيها، ذلك الرداء الذي حاكته بيديها، وارتدت عباءة زيوس جامع السحب ولبست الدروع استعدادا للحرب المفجعة. ورمت على كتفيها الدرع «أيجيس»
Unknown page