وقد كان هذا الجواز هو سبب ما بينه وبين الإبراشي مما فصلت مجمله في فصل سابق، وكان الرافعي قد قصد إليه يطلب إليه مد أجل هذا الجواز بعد انتهائه!
وكان يغبط الذين يجدون في طاقتهم أن يقضوا الصيف من كل عام في أوربا ويتمنى لو أتيح له؛ ليفيد من ذلك شيئا يجدي على أدبه. على أنه مع ذلك كان يرحل إلى أوربا أيان يريد، ولكن في السيما ...
كان يسمي السيما: خارج القطر! ويزعم أن في ذهابه لمشاهدتها كلما سنحت له الفرصة غناء عن السفر، فسواء عنده أن يرحل إلى أوربا في قطار أو باخرة، وأن ترحل إليه أوربا بحالها في رواية يشاهدها على ستار السيما، فلكليهما أثر متشابه في نفسه، وذلك بعض مذهبه في فلسفة الرضا والسعادة!
وكم كان ظريفا أن تسمعه يتحدث إلى صديق من أصدقائه قائلا: «هل لك أن تصحبني الليلة إلى خارج القطر؟» يلقي هذا السؤال بلا تكلف ولا قصد إلى الفكاهة؛ لأن كلمة «خارج القطر» كانت عنده علما عرفيا على السيما لا يحتاج إلى تعليق! •••
وكان عجيبا في إيمانه بالغيب، وتناجي الأرواح، وتنادي الموتى والأحياء، وكان يؤمن بالسحر والعرافة، وكثيرا ما كنت تسمع منه: «حدثتني نفسي ... ألقي إلي ... هتف بي هاتف.» وكان يعني ما يقول على حقيقته، جلست إليه مرة في منزله، فأخذنا في حديث طويل ... وعلى حين غفلة سكت، ثم قال: «كيف صديقنا مخلوف؟» قلت: «لم أره من زمان!» قال: «إنه قادم الساعة ... لقد ألقي إلي ... أحسبه الآن يصعد في السلم ...!» فما كاد يتم حتى دق الجرس، وكان الأستاذ حسنين مخلوف هو القادم، وسألت الأستاذ مخلوفا: أكان على موعد مع الرافعي؟ فنفى لي كل ظنة!
وسألني مرة أخرى: «ماذا تعرف عن صديقنا «م»؟» قلت: «لا جديد من أخباره!» قال: «يهتف بي الساعة هاتف أنه في شر!» وفي صباح اليوم التالي كان نبأ شروعه في الانتحار منشورا في الصحف! وفي الرسائل التي تبادلاها بعد هذه الحادثة ما يبعد الظن بأن الرافعي كان يعلم شيئا!
وكان بينه وبين رجل قضية، فغاظه، وجاءني الرافعي يوما محنقا وهو يقول: «سينتقم الله منه! سينتقم الله منه! قلبي يحدثني بأن القصاص قريب!» وفي الغد جاءنا نعي الرجل، وكنت مع الرافعي وقتئذ، فتندت عيناه بالدمع، وتناول سبحته وأخذ يتمتم في صوت خافت وشفته تختلج من شدة الانفعال!
هذه حوادث ثلاث رأيتها بعيني، ولعلها من عجائب الأخبار عند بعض القراء، وأحسبني قد رأيت له غير ذلك، ولكني لا أتذكره الآن ...
وحدثني أن أباه كان مسافرا مرة إلى بلد ما، وكان عليه صلاة، فافترش مصلى وأخذ يصلي على رصيف المحطة، وإنه لكذلك إذ جاء القطار، قال الرافعي: «وكان أبي حريصا على ميعاد هذه السفرة، يخشى شيئا لو تأخر عن موعدها، وما كان بين موعد قدوم القطار وسفره ما يتسع لصلاة الشيخ، ولكن الشيخ استمر في صلاته على ونى واطمئنان، وما تحرك القطار إلا بعد أن فرغ الشيخ من صلاته واطمأن في كرسيه وحيا مودعيه ووصى، وكان سبب تأخير القطار شيئا غير مألوف يتصل بشأن من شئون المحطة!»
وأحسبه ذكر مرة في بعض ما كتب، كيف ثقل نعش أمه على كتفه ثم خف! وأخبرني أنه لما مات أخوه المرحوم محمد كامل الرافعي استحضر روحه فلبت نداءه، وكان بينهما حديث لا أذكره، وحاول مرة أن يعلمني وسيلة لتحضير الأرواح، ولكني لم أتعلم!
Unknown page