Hanin Ila Kharafa
الحنين إلى الخرافة: فصول في العلم الزائف
Genres
حتى المريض قد يتهم نفسه حين يفشل العلاج، ويصلى تقريعا ذاتيا كان منه بد: «يبدو أني لم أكن تقيا كما يجب.» «أبلغوا المعالج أن العلاج كان فاعلا وإنما الخطأ خطئي ... إلخ.» ولا نهاية لحيل التأويل التي تفسر فشل العلاج تفسيرا يبرئ العلاج نفسه. وكلما كان معيار النجاح غامضا كان من السهل أن تستبين دلائل عليه، وأن تؤول كل شيء مضاد تأويلا يستبعد الفشل؛ لهذا السبب بالتحديد لا تقدم أغلب الممارسات الصحية البديلة علاجات محددة لاضطرابات محددة، بل تعد بإحداث شيء من «حسن الحال» أو «الأداء الأعلى» أو «التكامل الأفضل» ... إلخ من الفوائد الغامضة. إن الفوائد الغامضة صعبة الدحض؛ لذلك لا يورط الدجالون أنفسهم في تنبؤات محددة قابلة للتحقق منها، ومن هنا لا ينبري المعالجون الروحيون إلا للأمراض الملتبسة غير المرئية حيث التحسن أيضا غامض غير مرئي: علل من قبيل الشقيقة، السرطان، التهاب المفاصل، التهاب الجراب، ضعف السمع ... إلخ؛ من أجل ذلك يشترط علينا المنهج العلمي القويم أن نحدد بشكل دقيق ومسبق ماذا عساه أن يعد - أو لا يعد - نجاحا أو فشلا، وبغير هذا التحديد المسبق فإن أمانينا يمكن أن تضرب على أبصارنا غشاوة، وتوقعاتنا يمكن أن تحملنا على توهم نجاح ما في أي إجراء علاجي كان. (4-4) هالة المقبولية
نحن نعتقد في أشياء معينة لأنها ينبغي أن تكون صحيحة: نعتقد مثلا أن تحليل خط اليد (أو مختلف الاختبارات الإسقاطية) يقدم استبصارات عميقة في شخصية المرء، ذلك أن منطقها الذي تقوم عليه يبدو معقولا؛ فالأشخاص «ينبغي» أن يتركوا آثارا من أنفسهم في استجاباتهم الظاهرة. بالمثل يعتقد معظم الناس أن أكل لحم الثور يسهم في مرض القلب؛ لأن الدهن على جوانب شريحة اللحم (أو في قعر المقلاة) يبدو قمينا جدا أن يسد الشرايين التاجية ، فالشيء الدبق والمتجلط خارج الجسم ينبغي أن يكون دبقا ومتجلطا داخله أيضا، هكذا يمضي التفكير. إن الأشياء التي ينبغي أن تكون صحيحة كثيرا ما تكون صحيحة، ولكن في أحيان كثيرة أيضا يغشي حسنا بما ينبغي أن يكون صحيحا على إبصارنا لواقع الحال، وبخاصة عندما تكون النظريات التي تولد حس المعقولية نظريات سطحية نوعا ما.
هذا الميل إلى الاتكاء بشدة على ما يبدو مقبولا قد أسهم في عدد من الاعتقادات الخاطئة عن الصحة. ثمة نظريات عامة غير رشيدة عن الطبيعة أو عن طريقة عمل الجسم جعلت أفكارا معينة تبدو معقولة، مما أدى بدوره إلى تبني ممارسات خرقاء عديدة، من هذه النظريات العامة نظرية تقول: إن المعلولات يجب أن تشبه عللها: أعراض المرض، إذن يجب أن تشبه سببها أو تومئ إليه على نحو ما، وبالمثل أعراض المرض ينبغي أن تشبه علاجها أو تومئ إليه على نحو ما.
تتكشف هذه الاعتقادات في أوضح صورة في ممارسات طبية بدائية معينة تذهب إلى أن المواد التي تسبب حالة معينة أو تشفيها تميل إلى أن تشارك الحالة نفسها في ملامح خارجية عديدة، من ذلك في الطب الصيني القديم أن الأشخاص الذين يعانون من مشكلات بصرية كانوا يطعمون الخفاش ظنا بأن الخفافيش لديها بصر حاد وأن بعض هذه القدرة سينتقل إلى آكله، ومنه أن بعض القبائل البدائية ترغم المجرمين على أكل الكبد اعتقادا منهم أن الكبد هي محل الرحمة، ومنه أن قدامى الأطباء الغربيين كانوا يصفون لحم الثعلب (المعروف بقوة التحمل) لمرضى الربو، وحتى في أيامنا هذه ثمة عدد من ممارسي الطب البديل يوصون بتناول خلاصة المخ النيئ لمن لديهم مشكلات نفسية.
45
هذا الاعتقاد بأن الشبيه يلائم الشبيه يجد أفضل تعبير وأحكمه في مجال «العلاج المثلي»
homeopathy
الذي أسسه صمويل هانمان في أواخر القرن التاسع عشر، ولا يزال يجد اليوم أنصارا له كثيرين من ممارسي «الطب الكلي»
holistic medicine . ذهب هانمان إلى أن من الممكن شفاء كل مرض بإعطاء المريض أيما مادة تسبب أعراضا مثيلة في الشخص السليم: الشبيه يلائم الشبيه، ينسجم معه
like goes with like ، وهو يسمي هذا «قانون الأشباه»
Unknown page