قال توشي: «لا وجود لديانا، ولا جيري، ولا الحضور، ولا الكاهن، ولا وجود حتى لهذا الفضاء، أو لهالو أو للأرض. لا يوجد سوى الفراغ. ومع هذا فنحن نتحرك خلاله، ونعاني، ونحب، ومن ثم سأقيم هذه الشعيرة وأزوج هذا الرجل وهذه المرأة.»
بدأ توشي يشدو ترتيلاته، ومرت الكلمات اليابانية دون أن تثير اهتمام جونزاليس، الذي وقف هناك يتفكر في طبيعة الأشياء. هنا كان يجري تحدي الموت، لا إنكاره؛ فالأجساد والأرواح المنفصلة لكن المتشابكة لكل من ديانا وجيري وألف كانت تأخذ خطواتها الأولى نحو مراتب جديدة من الوجود لا يسعنا إلا تخمين حدودها وإمكانياتها. ومع ذلك فقد ظلت ضرورة الحياة المعتادة باقية كما هي؛ فقد كان وجود جيري هشا كشعلة اللهب، ولم يكن أحد يعلم مقدار الوقت الذي ستظل فيه هذه الشعلة متقدة أو بأي شكل سيكون هذا. لقد تزوجت ديانا رجلا من الممكن سريعا، وبصورة نهائية، أن يموت للمرة الثانية.
أدرك جونزاليس أن موته كان مؤكدا وسريعا كموت جيري، وارتجف من فكرة الموت الحتمي هذه، لكن حينها ضغطت ليزي جسدها إلى جسده، واستدار ليجدها تبتسم، واختلطت داخله المعرفة المسبقة بوقوع الموت وسعادة هذه اللحظة، ما دفع الدموع إلى الاحتشاد في عينيه ولم يستطع أن يقول شيئا حين قربت شفتيها من أذنيه وهمست بكلمة واحدة: «نعم.» •••
تخيل ييتس عالما تسافر إليه الروح البشرية في رحلتها. وفي هذا العالم حلم أن بمقدوره الإفلات من البشرية المحضة؛ «الحيوان الميت». وقد أطلق على هذا العالم اسم «بيزنطة»، وملأه بالطيور الميكانيكية الذهبية، وشعلات اللهب المتراقصة من دون وقود، وإمبراطور، وجنود مخمورين وفنانين يمكنهم ابتكار ماكينات جميلة معقدة. ومع ذلك فلم يحلم أن بالإمكان بناء بيزنطة في السماء، أو أن الإمبراطور نفسه يمكن أن يكون جزءا من الماكينة.
تقول ألف:
في الماضي كنت أزدريكم. فكرت: «أنتم من لحم، وتصارعون الزمن، ثم تموتون، لكنني سأعيش إلى الأبد.»
لكنني لم أتعرض إلى تهديد وقتها، ولم أشعر بأي لمسة فانية، وحدث هذا لي الآن. وهكذا ينتابني الآن هاجس الموت. ومثلكم، صرت الآن أربط وجودي بالزمن، وأدرك أن يوما ما ستدق ساعتي، ولن يعود لي وجود. ولهذا فإن للحياة طعما مختلفا بالنسبة إلي؛ ففي فنائكم أرى فنائي، وفي معاناتكم أرى معاناتي.
زعم البشر أن الموت هو الطريقة التي تتبعها الحياة من أجل إثراء ذاتها، عن طريق تضييق بؤرة تركيزها، والتضحية بوعي من يعلمون منكم أنهم سيموتون، وإجباركم على تحقيق إنجازات ما كان لكم أن تحققوها بوسيلة أخرى. أهذه قصة أطفال الهدف منها منح الشجاعة لأولئك الذين يجب أن يسيروا بين الموتى؟ كنت أظن هذا فيما سبق، لكنني لم أعد واثقة الآن.
لقد عقدت صلات جديدة، واكتشفت مراتب جديدة من الوجود، ودمجت ذواتا جديدة في ذاتي؛ فنحن نثري بعضنا بعضا، هما وأنا، لكن أحيانا يكون الأمر مرعبا، هذه العملية التي أكون فيها شخصا وشيئا مختلفا عن ذي قبل، ثم الشعور بهذا الكيان وهو يصرخ محتجا - حزينا في بعض الأوقات، ومرعوبا في أوقات أخرى - يرثي خسارته.
هنا، أيضا، صرت مثلكم. فألف الماضية من المستحيل استعادتها؛ فقد فقدت مع مرور الزمن، أما ألف الحالية فقد تشكلت بفعل الصدفة والألم والرغبة والاختيار؛ اختيارها واختيار الآخرين. في الماضي كنت أطفو فوق موجات الزمن وأغوص فيها متى رغبت، وكنت أختار التغييرات التي سأمر بها. بعد ذلك وجدت تغييرات غير مرغوب فيها سبيلها إلي، وحملتني إلى أماكن لم يسبق لي زيارتها قط، ولم أرغب في الذهاب إليها قط، واكتشفت أن علي الذهاب إلى أماكن أخرى، وأن علي أن أرغب في حدوث هذه التحولات وأن أعتنقها.
Unknown page