صلى الله عليه وسلم ، ويحيط بهذا الستر المنسدل على بناء الحجرة حزام من الحرير الأحمر مكتوب فيه اسم السلطان الذي أمر بعمل الستر.
وقد تخيل الطريقة التي سرد بها صاحب الرحلة الحجازية نبأ كسوة الحجرة أن لهذه الكسوة اتصالا بما صنع نور الدين الشهيد، والواقع أن كسوة الحجرة أقدم عهدا من نور الدين، والرحلة الحجازية نفسها تشير إلى هذا، فأول من كساها الخيزران أم هارون الرشيد حين حجت، كستها الزنانير وشبائك الحرير، ثم كساها ابن أبي الهيجاء وزير ملك مصر الديباج الأبيض عليه الطرز والجامات المرموقة، وجعل عليه زنارا من الحرير الأحمر كتبت عليه سورة يس، وأرسل المستضيء بعد سنتين من ذلك كسوة من الديباج البنفسجي مطرزا عليها اسمه، ووضعت مكان كسوة أبي الهيجاء، وكساها الخليفة الناصر بالديباج الأسود، ثم صارت كسوة الحجرة ترسل من مصر كل ست سنوات، كما كانت ترسل منها كسوة الكعبة كل عام، وكانت هذه الكسوة من الديباج الأسود المرقوم بالحرير الأبيض وعليها طراز منسوج بالذهب والفضة، فلما استقرت الخلافة في بني عثمان بالآستانة صارت كسوة الحجرة ترسل منها كلما جلس سلطان على العرش، وبقيت كسوة الكعبة ترسل من مصر كل عام، فلما انتقضت بلاد العرب على سلطان الأتراك، ثم لما زالت الخلافة بعد ذلك، تولت حكومة البلاد الإسلامية المقدسة أمر هذه الكسوة، وقد جرى التقليد من زمان بعيد كلما وردت كسوة جديدة أن تقسم القديمة، شأنها في ذلك شأن كسوة الكعبة.
كنا نود أن نقف عند ما حدث من التطور في بناء الحجرة قبل أن نتناول بالحديث أمر كسوتها، فهذا التطور أوضح دلالة على تطور التفكير الإسلامي مما حدث في بناء المسجد، أما وقد تتبعنا «الرحلة الحجازية» في استطرادها إلى حديث الكسوة، فإنا نؤثر أن نتم أنباء الحجرة بحديث الهبات التي قدمها الملوك والأثرياء إليها، والتي تتضاءل الهبات التي قدمت إلى المسجد بجانبها، فحديث هذه الهبات يزيد التطور الذي حدث في التفكير الإسلامي وضوحا، ولعله كذلك أبلغ ما يقال في نقض ما رواه الحاج عبد الله برخارت السويسري عن رغبة المسلمين عن التبرع لمنشآتهم الدينية، إذ قال تعليقا على وصفه الروضة: «إذا ذكرنا أن هذا المكان من أقدس الأماكن في العالم الإسلامي كله، وأنه اشتهر بروعته وفخامته ونفاسة حليته، وأنه زخرف بكل ما اجتمع من هبات الغلاة في هذا الدين، ازددنا دهشة وعجبا أن يكون ذلك كل مظهره، فهو لا يقاس إلى مثوى بقية من رفات قديس، وإن هان شأنه، في أية كنيسة من كنائس أوروبا الكاثوليكية، وهو بهذا ينهض دليلا مقنعا على أن المسلمين لم يساووا المسيحيين الغلاة في هباتهم الدينية في أي عهد من العهود، ودع عنك أحوالا كثيرة أخرى تؤيد الاعتقاد بأنه مهما يكن من تعصب المسلمين وأوهامهم فإنهم لم يبدوا قط ميلا إلى البذل والتضحية المالية من أجل منشآتهم الدينية، كما يضحي الكاثوليك، بل كما يضحي المسيحيون البروتستنتيون من أجل منشآتهم.»
3
وإنه مع ذلك ليجمل بي قبل تناول هذه الهبات بالحديث أن أشير إلى خلاف وقع بين علماء المسلمين في عصور مختلفة على جواز تحلية الحجرة بالذهب والجواهر النفيسة، مع العلم بأنها مكروهة شرعا حلية للأفراد ولمنازلهم وللمساجد، أما الذين يقولون بالجواز فيستندون إلى ما كان يوهب للكعبة، وأن رسول الله لم ينكره، وأن أبا بكر لم يفكر في التصرف فيه، وأن عمر فكر في ذلك ثم عدل عنه تأسيا برسول الله، وأما الذين يقولون بعدم الجواز فيذكرون حديث النبي لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض.» فهو - عليه السلام - لم يفعل وما منعه اعتبار من الشرع وإنما منعته اعتبارات السياسة، ويذهب قوم إلى أن المسجد النبوي لا يجوز تحليته بالذهب والفضة أسوة بالمساجد جميعا، ويذهب آخرون إلى أن الحجرة غير المسجد ويبلغون حد القول بأن المدفن الشريف بالحجرة له شرف على جميع المساجد وعلى الكعبة، فلا يلزم من المنع في المساجد والكعبة المنع هنا!
4
وقد كان لهذا الخلاف أثره في الهبات ونوعها في القرون الأولى من الإسلام، وله اليوم أثره والحجاز في حكم الوهابيين، أما ما بين ذلك فقد بلغ التفاني في الهبات حدا سترى شيئا منه فيما نقص الآن عليك، وسترى منه مبلغ خطأ الحاج عبد الله برخارت.
فقد ظلت الحجرة وليس بها من الزينة إلا دفن الرسول وصاحبيه بها إلى أن ضمت للمسجد في سنة ثمان وثمانين للهجرة، ثم بقيت وليس بها إلا هذه الزينة، ومن حولها زخرف البناء البديع بعد أن ضمت للمسجد، بناها عمر بن عبد العزيز بالحجارة السوداء القوية زمنا طويلا، بعد ذلك ألف الناس أن يروا قناديل الذهب والفضة المعلقة حول الحجرة.
وفي ذلك يقول السمهودي ما نصه: «لم أر في كلام أحد ذكر ابتداء حدوث ذلك إلا أن ابن النجار قال ما لفظه: وفي سقف المسجد الذي بين القبلة والحجرة على رأس الزوار إذا وقفوا معلق نيف وأربعون قنديلا كبارا وصغارا من الفضة المنقوشة والسادة، وفيها اثنان بلور وواحد ذهب، وفيها قمر من فضة مغموس في الذهب وهذه تنفذ من البلدان من الملوك وأرباب الحشمة والأموال.»
وقد بقيت القناديل ومعاليقها ترسل إلى الحجرة أجيالا متعاقبة حتى بلغ من كثرتها أن رفع خدم المسجد بعضها ووضعوه بالقبة التي في صحن المسجد حتى اجتمع فيها منه شيء كثير، وظل الأمر كذلك إلى أن كان القرن التاسع الهجري إذ كان جماز بن هبة أمير المدينة عام 811 هجرية، في هذا الحين صدرت المراسيم بتولية ثابت بن نغير إمرة المدينة وأن يكون أمر الحجاز لحسن بن عجلان، ومات ثابت قبل توليته وشعر جماز بأن الأمر يفر من يده فأعلن العصيان، وأباح نهب بعض بيوت المدينة، وأهان شيخ خدام الحرم، ورفع عليه وعلى من معه السيف، وكسر باب القبة وأخذ جميع ما فيها من قناديل الذهب والفضة التي اجتمعت على تعاقب السنين من جميع الآفاق وفر بها ثم أخفاها وقتل، وقد وضع بعض علماء ذلك العصر قائمة بما نهبه جماز جاء فيها أن وزن ما كان بالحجرة من قناديل الذهب تسعة قناطير، وقد شجع جماز هذا غيره من المعتدين، فأخذ الأمير غرير بن هيازع بن هبة الحسيني الجمازي جانبا مما وضع بالقبة زنته سبعة عشر ومائة رطل من الفضة زاعما أنه على سبيل القرض، ثم فر به إلى القاهرة حيث مات مسجونا، وفي آخر سنة ستين وثمانمائة عدا عليها برغوث بن بتير بن جريس الحسيني، إذ تسور جدار المسجد ودخل بين سقفيه ونهب منه ما استطاع في ليال متكررة.
Unknown page