فأشارت مطيعة وانصرفت ولمياء تتبعها حتى أدخلتها غرفة بها نافذة تطل على النيل فاستأنست بمجرى الماء، لكنها لم تأت إلى ذلك القصر وتركب ذلك المركب الخشن لتتمتع بالمناظر الطبيعية فأخذت تفكر فيما ينبغي أن تفعل، وتذكرت أن الحاجب أنبأ بنت الإخشيد وهي في حضرتها عن قدوم بعض القواد لمشاهدتها، وهي فرصة ينبغي لها أن لا تفوتها والوقت ضيق لا يأذن بالتأجيل فأخذت تفكر في حيلة تستنبطها لحضور تلك الجلسة، لعلها تستطلع شيئا.
الفصل الرابع والستون
الطعام
وإذا بالقهرمانة دخلت وهي تتهادى بمشيتها تيها وتشمخ بأنفها عجبا. ولما دنت من لمياء وقفت لها تأدبا فقالت القهرمانة «يظهر أنك وقعت من نفس مولاتنا موقعا جميلا لم توفق إليه غادة قبلك.» قالت ذلك وضحكت فبانت أسنانها متفرقة؛ لأن الزمان ذهب بنصفها. وكانت تلك القهرمانة جميلة في صباها لكن عيشة الرخاء أسمنتها وداهمتها الشيخوخة فجعلت جلدها طيات يتقطر العرق من بينها. وإذا مشت خطوتين لحقها التعب، لكنها - مع ذلك - كانت خفيفة الروح فاستأنست لمياء بها وسرها ما سمعته من إعجاب بنت الإخشيد؛ لأن ذلك يعجل ما ترجو الاطلاع عليه أو الوصول إليه في سبيل خدمة المعز. فأطرقت وقالت: «ليس في ما يدعو إلى إعجاب سيدتي الأميرة، ولكنها ربما أشفقت على الضعف الظاهر في وجهي.»
فقطعت القهرمانة كلامها قائلة: «إن هذا الضعف يزيدك جمالا ولطفا ... والآن فإن مولاتنا الأميرة كلفتني أن أصلح من شأنك وآخذك إليها لتتناولي الغداء معها.»
فشغلها ذلك التلطف عن التفكير بأبي حامد ورفيقه، واشتغلت القهرمانة بالإصلاح من شأنها فأتتها بثوب من الحرير الناعم الملون نسيج مصر وعليه صور تأخذ بالأبصار وحوله منطقة مذهبة. وأخذت الماشطة في إصلاح شعرها وتضفيره على نسق خاص، فضايقها ذلك وتقدمت إلى القهرمانة أن تعفيها من هذا التصفيف فأجابتها: «هكذا تريد مولاتنا.»
فقالت: «اسأليها لعلها تعفيني؛ لأن ذلك يضر برأسي.»
فمضت ثم عادت وهي تقول: «وهذا دليل آخر على حب مولاتنا لك فإنها سمحت أن تكوني كما تشائين وأن تسرعي في الذهاب إليها؛ فإن المائدة قد أعدت.»
فسرحت شعرها بيدها تسريحا بسيطا وضفرته ضفيرتين أرسلتهما إلى الوراء إلا خصلا صغيرة أرسلتها على الصدغين وأبت الاكتحال أو التزجج وبين يديها جارية سوداء تحمل لها المرآة فنظرت إلى وجهها فيها فرأت أنها أجمل مما كانت تظن، ثم مشت في أثر القهرمانة في دهليز يؤدي إلى قاعة واسعة في صدرها دكة مرتفعة قد نصبت عليها المائدة ويشرف الجالس إليها على ضفاف النيل فيرى السفن ذاهبة جائية ووراءها جزيرة الروضة وفيها الأبنية الفخمة وفي جملتها المقياس. ووراء ذلك بر الجيزة إلى الأهرام والقاعة مفروشة بالبسط والسجاد مثل أكثر غرف تلك الدار غير الأرائك والوسائد والمقاعد وكلها مذهبة أو منزلة وقد أرخيت الأستار المزخرفة على الجدران التي تكسوها، ومنها ستارة في عرض القاعة مرفوعة بأمراس من الحرير ترخى عند الحاجة فتحجب مجلس الأميرة عن سائر الجلوس.
كانت هذه القاعة فرشت لعقد المجالس الكبرى، فإذا حضرت بنت الإخشيد المجلس أرخت الستارة المشار إليها، ودار الحديث أو المفاوضة ولا يراها أحد من الحضور، وأحبت أن تتناول طعامها فيها في ذلك اليوم لإشرافها على النيل. فنصبوا لها بجانب المائدة مقعدا مكسوا بالخز المطرز باسمها. فجلست هي عليه والتفت بملاءة كالمطرف من القطيفة الحريرية وقد طرزت بالقصب ورصعت بالأحجار الكريمة بأشكال بديعة تمثل شجرا وطيورا وحيوانات أخرى وهي من جملة ما قلدت به نساء العباسيين في إبان بذخهم. ولعلها قلدت بها بساطا لأم الخليفة المستعين عليه الطراز والترصيع بصور كل حيوان من جميع الأجناس وصورة كل طائر من ذهب وأعينها من يواقيت وجواهر.
Unknown page