190

ولقد رأينا الكثير من مشاورات عمر العامة والخاصة فيما سبق من هذا الكتاب، رأيناه يستشير الناس بعد مقتل أبي عبيد بالعراق يسألهم رأيهم ماذا يصنع، قال العامة: سر وسر بنا معك، وأجمع الخاصة على أن يبعث رجلا من أصحاب رسول الله على رأس الجيش إلى العراق، ويبقى هو بالمدينة يمد هذا الرجل، عند ذلك جمع الناس وقال لهم: «يحق للمسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم، وإني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم عن الخروج؛ فقد رأيت أن أقيم وأن أبعث رجلا.»

ورأيناه يسير إلى الشام، فيلقاه أمراء جنده فيذكرون له أن الأرض سقيمة، وأن فتك الطاعون شديد، فيجمع الناس يستشيرهم: أيتابع طريقه إلى الشام مع الوباء، أم يعود أدراجه إلى المدينة؟ فيختلف الناس: يشير قوم بالسير، ويشير آخرون بالرجوع، فينتهي إلى رأي الآخرين ويرجع أدراجه بمن كان معه.

وكان يرى الشورى نظاما أساسيا واجب التطبيق في أرجاء الدولة كلها، يأمر الولاة وأمراء الجند به، فيقول لأبي عبيد يوم بعثه إلى العراق: «اسمع من أصحاب رسول الله وأشركهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعا فإنها الحرب لا يصلحها إلى الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة.» وكذلك كان يفعل مع الولاة سواء منهم من ولي شئون الحرب ومن ولي غيرها.

لاحظ قوم أن أولي الرأي من قرابة رسول الله إنما كانوا فيمن يشيرون على عمر، وأنه لم يجعل أحدا منهم على إمارة الجند، ولم يول منهم أحدا في بلاد العرب ولا في البلاد المفتوحة، ومن أصحاب هذه الملاحظة من يذهب بهم الظن إلى أن عمر بقي في نفسه من بني هاشم شيء بعد موقفهم من بيعة أبي بكر، ولا أراني أشارك أصحاب هذا الرأي في رأيهم، وتخلف بني هاشم عن بيعة الصديق موضع ريبة عندي، ولو أن قصة تخلفهم صحت لما جاز أن يكون لها في نفس عمر أثر إبان خلافته؛ فقد بايعوا أبا بكر جميعا من بعد، ولما أوصى أبو بكر باستخلاف عمر لم يخالفه أحد من بني هاشم، بل كانوا أول من بايعه، وقد كان لهم من الحظوة في خلافته ما لم يكن لأحد من المسلمين، وسنرى هذه الحظوة بارزة، عند الحديث عن تدوين الديوان وفرض العطاء، بروزا ترك في حياة المسلمين وفي تقاليدهم أثرا لا يزال باقيا إلى اليوم، وكثيرا ما كان عمر يقدم قرابة النبي تقديما يشهد بإكباره لهم وإعظامه إياهم، وقد رأينا استشفاعه إلى الله عام المجاعة بالعباس عم رسول الله، ورأيناه يستخلف علي بن أبي طالب على المدينة حين ذهب إلى الشام لصلح بيت المقدس، وما أكثر ما كان يشيد بفضل ابن عباس وعلمه وأدبه! فلما حضرت عمر الوفاة وأوصى بالشورى جعل الخلافة في ستة أشخاص بينهم علي بن أبي طالب، وليس شيء من هذا بشأن رجل في نفسه على بني هاشم موجدة.

فلم إذن لم يجعلهم على إمارة جند، ولم يول منهم أحدا في بلاد العرب أو في البلاد المفتوحة؟! قد تأخذ منك الدهشة إذا قيل لك إنه لم يولهم إكراما لقرابتهم من رسول الله، وهذا المعنى يستفاد مع ذلك من قوله يوما لابن عباس: «إني رأيت رسول الله

صلى الله عليه وسلم

استعمل الناس وترككم ... والله ما أدري أصرفكم عن العمل ورفعكم عنه وأنتم أهل ذلك، أم خشي أن تعاونوا لمكانكم منه فيقع العتاب عليكم، ولا بد من عتاب.»

يذهب بعضهم إلى أن هذا الكلام، إن صحت نسبته إلى عمر، إنما كان اعتذارا فيه لطف وتجمل، وأنه اعتذار يخفي ما انطوى عليه عمر من حذر من بني هاشم ومن كبار الصحابة ورءوس قريش، وأصحاب هذا الرأي يذهبون إلى أنه استبقى هؤلاء جميعا بالمدينة، وجعلهم من أصحاب مشورته؛ لأنه خشي إن هم تفرقوا في أرجاء الدولة وتولوا السلطان فيها أغراهم ذلك بالاستئثار بما في أيديهم والانتقاض على سلطان المدينة، اعتمادا على مؤازرة المناطق التي يلونها وتأييدها لهم فيما يبغونه من أغراض، وأصحاب هذا الظن يذكرون أن عمر قد عزل خالد بن الوليد بدافع من هذا الحذر، وأنه كان شديد الحساب لولاته في مختلف الولايات، سريعا إلى عزلهم لمجرد الريبة فيهم، حتى لا تحدث أحدهم نفسه بأنه أصبح صاحب السلطان في منطقته، ولو أن هذا الظن صح لما عيب به عمر ولا طعن في سياسته؛ فالحذر بعض ما يجب على من يلي أمر أمة من الأمم، وبخاصة في مثل الأحوال الدقيقة التي كانت تحيط بالمسلمين في ذلك العهد، على أني لا أرى لهذا الظن ما يسوغه؛ فهو لا يتفق وما عرف عن عمر من صراحة وبأس، ولا يتفق وما عرف عن المسلمين في هذا العصر الأول من تضامن زاده إيمانهم الصادق بالله وبرسوله قوة وتثبيتا، هذا إلى أن المخاطر التي كانت محيطة بهم كانت قمينة أن تصرفهم عن مثل هذا التفكير، وكيف يظن أحدهم في نفسه القدرة على مواجهة الفرس في العراق أو الروم في الشام إلا أن تكون وراءه قوة الإسلام والمسلمين مجتمعة؟ وكيف تحدث أحدهم نفسه بالاستئثار بالسلطان في فارس أو في مصر وهو بحاجة في كل حين إلى مدد يأتيه من شبه الجزيرة، فإذا أبطأ عليه المدد عجز عن مواجهة الموقف الذي هو فيه! وقد ظل الأمر كذلك طيلة عهد عمر؛ لأن الحرب طيلة عهده كانت سجالا متغيرة المصاير، وقد رأينا عاهل الفرس قبيل مقتله يستعدي الترك والصين لمناجزة المسلمين، ورأينا الروم لا ينقطع تفكيرهم في الرجعة إلى مصر واستردادها، لا مسوغ مع هذا كله للظن بأن عمر استبقى بني هاشم ورءوس قريش بالمدينة حذرا منه، كما أنه لا مسوغ للظن بأنه بقي في نفسه شيء من بني هاشم لما قيل من تخلفهم عن بيعة أبي بكر.

والواقع أن عمر لم ينكر على بني هاشم أن يكون لهم ما لغيرهم من حق في الخلافة، وإنما أنكر عليهم أن يستأثروا بها على أنها ميراث لهم عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وذلك قوله لابن عباس فيما تثبته بعض الروايات: «إن الناس كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، وإن قريشا اختارت لنفسها فأصابت.» ولهذا جعل علي بن أبي طالب في الستة الذين أوصى باستخلاف أحدهم من بعده.

Unknown page