427

Al-faqīh waʾl-mutafaqih

الفقيه و المتفقه

Editor

أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٢١ ه

Publisher Location

السعودية

ذَلِكَ كَالْإِنْسَانِ الَّذِي يَرَى قَصْرًا عَلَى بُعْدٍ، فَيَأْتِيهِ، فَيَرَى مِنْ قُرْبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَرَى مِنْ بُعْدِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَهَيَّأَ لَهُ الدُّخُولُ إِلَيْهِ، وَكَالْإِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُسْتَوِيَةِ، لَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا مَا قَارَبَهُ، وَمَا هُوَ حِذَاءَهُ، غَيْرُ بَعِيدٍ مِنْهُ، خَاصَّةً إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ نَشَزٌ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ جَبَلٌ، فَإِذَا عَلَا عَلَى ذَلِكَ كَانَ كُلَّمَا ارْتَفَعَ وَارْتَقَى أَشْرَفَ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ مُشْرِفًا عَلَيْهِ طَوْلًا وَعَرْضًا، فَإِذَا تَكَلَّفَ الصَّعُودَ إِلَى أَعْلَى رَأْسِ الْجَبَلِ، انْكَشَفَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَرَاهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى رُؤْيَتِهَا إِلَّا بِهَذَا التَّعَبِ وَالتَّكَلُّفِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ، فَيَبْدُو لَهُ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ يَبْدُو لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكُلَّمَا زَادَ ارْتِقَاءً، ازْدَادَ مَعْرِفَةً بِمَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ رَآهُ وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ، كُلَّمَا تَعَلَّمَ الْمَرْءُ مِنْهُ أَصْلًا انْكَشَفَ لَهُ مَا فِيهِ وَشَاكَلَهُ وَمَا فِي بَابِهِ وَطَرِيقِهِ وَاسْتَدَّلَ بِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ، إِذَا كَانَ فَهْمًا وَوَفَّقَهُ اللَّهُ وَقَدُ شُبِّهَ صَاحِبُ أَدَبِ الْجَدَلِ قَبْلَ هَذَا النَّظَرِ وَالْكَلَامِ بِالنَّخْلِ يُؤَبِّرُهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ، فَيَنَالُ مِنْ ثَمَرَتِهِ مَا لَا يَنَالُ عِنْدَ تَرْكِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْحَدِيدُ وَالْحَجَرُ، مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُمَا لَمْ تَخْرُجِ النَّارُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْفَعُ لَمَّا احْتِيجَ إِلَى طَبْخٍ وَتَسْخِينٍ، فَإِذَا أُورِيَ خَرَجْتِ النَّارُ، فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْحِرَاقِ وَتُرِكَتِ انْطَفَأَتْ، وَإِنْ أُمِدَّتْ بِنَفْخٍ وَكِبْرِيتٍ

2 / 9