Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
وأما الزمان، فإن أحوال الدنيا وأوقاتها هي هذه التي تجري على الموجود، وكذلك أحوال الآخرة، فالحالات متفقان، وإنما اختلفا بصفتهما، وأحوال الدنيا كون وفساد ، وذلك أن الله تعالى خلق الخلق، أوله جوهر، وبعده جماد، وبعده حيوان، وبعده عاقل، وهو الإشارة بقوله: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) وقوله: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين).
وقوله: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) فصار الكون في الدنيا بمقتضى الاسطقسات.
وأما الطبائع: فالحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، والاسطقسات: الأثير والأرض والهواء والماء.
فأطلق الباري - سبحانه - الحيوان إلى التناسل، والشجر والنبات إلى النمو والزيادة، والأجساد إلى النمو والنقص، فكان الكون فيها ظاهرا، والفساد ظاهرا، وهو الحدوث والفناء، والتقدم والتأخر، وتسابق الأحوال والعصور، والليالي والنهار، وليس في الآخرة إلا الخلود والأبد، وكن فكان، وكتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء.
وأما قوله: (منها خلقناكم) الآية وإنما وقع الضمير هاهنا على الأرض، واعلم أن الله - عز وجل - قال في محكم كتابه: (كل من عليها فان) فإنه لم يوجب الفناء هاهنا إلا على من كان على وجه الأرض لا غير.
وقال في موضع آخر: (كل شيء هالك إلا وجهه) والهلاك هاهنا مرتبط بالأحياء، فلان هالك وفلان حي، ولم يدل على الفناء، ولم يأت في فناء العرش والسموات والأرض خبر يدل على فنائها لا في القرآن ولا في الحديث، وليس للرأي هاهنا حظ، ففي قدرة الله جائز فناء الكل، وإن كان فإن رجوعه موجود مثلما كان أولا غير مستحيل، فإن فنيت الجبال والأجداث وغيرها فستعود غدا في الآخرة فتصير كما قال الله: (يوم تبدل الأرض غير الأرض) وقوله: (فإذا هم بالساهرة) وقوله: (وعلى الأعراف رجال).
Page 246