Charles Darwin
تشارلز داروين: حياته وخطاباته (الجزء الأول): مع فصل سيرة ذاتية بقلم تشارلز داروين
Genres
ومن صفاته الذهنية الرائعة أنه بالرغم من شعوره القوي بالاحترام تجاه ما كان يقرؤه، فإنه كان يتمتع بغريزة قوية للغاية بخصوص ما إذا كان الشخص جديرا بالثقة أم لا. لقد بدا أنه يكون رأيا محددا للغاية عن دقة المؤلفين الذين كان يقرأ لهم، وكان يستخدم هذا الرأي في اختياره للحقائق التي يستخدمها في تقديم البرهان أو تقديم الأمثلة التوضيحية. وقد تولد انطباع لدي أنه كان يشعر بما لهذه القدرة في الحكم على جدارة الشخص بالثقة من قيمة كبيرة.
كان يؤمن تماما بميثاق الشرف الذي ينبغي أن يكون بين المؤلفين، وكان لديه ذعر من أي نوع من التراخي في الاستشهاد. كان يزدري الولع بالتشريف والتمجيد، وكثيرا ما كان يوجه اللوم إلى نفسه في خطاباته، وذلك لما كان يجده من سرور في نجاح كتبه، كما لو كان ذلك تخليا منه عن مثله العليا: حب الحقيقة وعدم الاهتمام بالشهرة. وكثيرا ما كان يسخر من نفسه لغروره وافتقاره إلى التواضع، وذلك حين كان يكتب إلى السير جيه هوكر، ما يسميه بخطاب متباه. ويوجد خطاب مثير بنحو مدهش كان قد كتبه إلى أمي، وهو يوصيها في حالة وفاته أن تنشر مخطوطة أول مقال قد كتبه عن التطور. وإنني أرى في هذا الخطاب رغبته الشديدة في نجاح نظريته بصفتها إسهاما في المعرفة بعيدا عن أي رغبة شخصية في الشهرة. لقد كان يتمتع بالطبع بتلك الرغبة الصحية في النجاح، والذي يتمتع بها كل إنسان يتمتع بقوة العزيمة. بالرغم من ذلك، فعندما نشر كتاب «أصل الأنواع»، كان من الواضح أنه كان يشعر بارتياح غامر لما لاقاه من تأييد وثناء من رجال مثل لايل وهوكر وهكسلي وآسا جراي، وهو لم يكن يحلم أو يرغب فيما حظي به من شهرة واسعة وكبيرة.
وإلى جانب بغضه للولع المفرط بالشهرة، فقد كان يبغض بالدرجة نفسها جميع المسائل التي تتعلق بالأسبقية؛ ففي خطاباته التي أرسلها إلى لايل في الوقت الذي نشر فيه كتاب «أصل الأنواع»، نجد أنه يعبر عما كان يشعر به من غضب لعدم تمكنه من كبت شعوره بخيبة الأمل، لما كان يظنه من قيام السيد والاس بإحباط جميع سنوات عمله. ويتضح حسه بميثاق الشرف الأدبي بقوة في هذه الخطابات، وكذلك تظهر مشاعره المتعلقة بالأسبقية مرة أخرى فيما عبر عنه في عمله «ذكريات» من إعجاب بإنكار الذات الذي أبداه السيد والاس.
كان لديه رأي واضح ومحدد بشأن الرد على الآخرين، بما في ذلك الرد على حالات الهجوم والمشاركة في جميع أنواع النقاشات. وهو يتضح ببساطة في خطاب قد كتبه إلى فالكونر (1863 (؟)) يقول فيه: «إذا حدث وشعرت نحوك بالغضب، وأنا أكن لك مشاعر الصداقة الخالصة، فسوف أبدأ في الشك بأنني قد أصبت بمس من الجنون. لقد شعرت بالأسف الشديد لردك، وأعتقد أنه كان خطأ في جميع الأحوال ويجب تركه للآخرين. وأما عن إمكانية تصرفي على النحو الذي تصرفت به تحت تأثير الاستفزاز، فذلك أمر مختلف.» لقد كان هذا الشعور ينبع بصورة جزئية من رقته الفطرية، ومن ناحية أخرى، فقد كان ينبع أيضا مما كان يسببه ذلك من إهدار للوقت والطاقة وتغيير للمزاج. وقد قال إنه يدين بإصراره على عدم الخوض في المناقشات إلى نصيحة لايل، وهي التي كان ينقلها بين أصدقائه الذين كانوا يشتغلون بالكتابة. (لقد تخلى عن هذه القاعدة في عمله «ملاحظات عن عادات نقار خشب سهول البامبا «الكولب السهلي»»، والذي نشر في دورية «بروسيدينجز أوف ذا زولوجيكال سوسايتي»، 1870، الصفحة 705: وكذلك في خطاب قد نشر في دورية «ذا أثنيام» (1863، الصفحة 554)، وقد أسف بعد ذلك على أنه لم يلتزم الصمت. وأما ردوده على الانتقادات، في الطبعات اللاحقة من كتاب «أصل الأنواع»، فهي لا تعد خرقا لهذه القاعدة.)
إذا أردنا أن نفهم طباع والدي في حياته العملية، فعلينا أن نضع في اعتبارنا دوما ظروف مرضه والتي كان يعمل دوما تحت تأثيرها. لقد تحمل مرضه بصبر ودون تذمر، حتى إن أولاده، كما أعتقد، لم يدركوا مدى معاناته المعتادة. وفي حالتهم، فإن ما يعزز من صعوبة إدراكهم لذلك الأمر، هي حقيقة أنهم يرونه على هذه الحال من المرض المستمر منذ أيام ذكرياتهم الأولى عنه، وقد رأوه أيضا رغم ذلك ممتلئا بالسعادة لجميع ما كان يسعدهم؛ ولهذا، ففي الفترات اللاحقة من حيواتهم، كان لا بد من الفصل بين إدراكهم لما كان يعانيه، وبين الانطباع الذي تشكل في طفولتهم تأثرا بما كان يمدهم به دائما من عطف صادق بينما هو يعاني من المصاعب التي لا يدركونها. ولا أحد بالطبع يعرف سوى أمي مقدار ما كان يتحمله من معاناة، وكذلك مقدار صبره المدهش. فهي، في جميع السنوات المتأخرة من حياته، لم تفارقه لليلة واحدة، وكانت تخطط يومها بما يسمح أن تشاركه ساعات راحته. وقد كانت تدرأ عنه كل مضايقة يمكن تلافيها ولم تبخل قط بأي شيء قد يجنبه بعض المشقة، أو يقيه الإجهاد المفرط، أو حتى قد يخفف عنه المتاعب العديدة التي كان يلقاها من اعتلال صحته. إنني أشعر بالتردد إزاء التحدث بحرية عن شيء على هذه الدرجة من القداسة مثل الإخلاص مدى الحياة، والذي كان وراء رعايتها الدائمة له برقة وعطف. بالرغم من ذلك، فإنني أعود وأكرر أنه لم يتمتع بصحة الأناس العاديين ولو ليوم واحد على الإطلاق على مدى أربعين عاما تقريبا، وقد كان ذلك من السمات الجوهرية في حياته؛ ومن ثم، فقد كانت حياته كفاحا طويلا ضد الإرهاق والإجهاد الناتجين عن المرض. ولا يمكننا أن نتحدث عن ذلك دون ذكر الظرف الوحيد الذي مكنه من تحمل هذا الإجهاد والكفاح حتى النهاية.
الخطابات
إن الخطابات المبكرة التي تمكنت من الوصول لها، هي تلك التي كتبها والدي حين كان طالبا في كامبريدج.
ولهذا، فلا بد لسردنا لتاريخ حياته، كما ورد في خطاباته، أن يبدأ من هذه الفترة.
الفصل الرابع
الحياة في كامبريدج
Unknown page