قالت عابدة: «أعني أنهم لما قاموا يطلبون الخلافة من أجدادكم في الشام تظاهروا بالتقوى والعمل بالكتاب والسنة، وطعنوا في خلفاء بني أمية لأنهم طلبوا الملك العضود، وزعموا أنهم اتخذوا الفتك في سبيل الحكم، فلما ملكوا ارتكبوا أضعاف ما ارتكبه بعض أجدادكم من الفتك والقتل على التهمة. وكانوا يظهرون أنهم يفعلون ذلك رغبة في العلم أو الدين، ولو تدبرت الحقيقة لرأيتهم إنما كانوا ينظرون من وراء ذلك إلى مصالحهم. نصر أبو جعفر المنصور فقهاء العراق أصحاب الرأي والقياس على فقهاء المدينة أصحاب الحديث. ولماذا؟ هل فعل ذلك لأنه يعتقد أن الحق في جانب أبي حنيفة رئيس أصحاب الرأي؟ لا أظنه فعل ذلك إلا نكاية في مالك رئيس أصحاب الحديث فيها ؛ لأنه أفتى بخلع المنصور، ولو لم ير خلعه، أو لو رأى المنصور في نصرته فائدة له لنصره.»
وكان الناصر يسمع كلام عابدة بلذة وشوق، لما حواه من الآراء الفلسفية التي لم يسمعها من أحد قبلها، وخصوصا لأن الطعن في العباسيين يوافق سياسته. وارتفعت في عينيه وأراد أن يستزيدها فقال: «بورك فيك من فقيهة عاقلة! لكنني رأيتك تشددين النكير على أصحابنا العباسيين، وما أدرانا أن المنصور لم يكن ينصر أبا حنيفة لاعتقاده بصحة رأيه؟»
قالت عابدة: «دعنا من الفقه والحديث، ولنتحدث عما كان من الرشيد وأبنائه في مسألة الزنبور والنحلة، وهي من المسائل النحوية.»
قال الناصر: «هل ترين في هذه أيضا جانبا سياسيا؟»
قالت عابدة: «نعم يا مولاي؛ لأن العباسيين كانوا يرغبون في نصرة أهل الكوفة؛ لأنهم نصروهم لما قاموا لطلب الخلافة، فقدموهم على أهل البصرة، وقربوهم إليهم، فطمع الكوفيون في مسابقة أهل البصرة، وصاروا يجادلونهم في المسائل النحوية، وفي الأدب والشعر، حتى قامت مسألة الزنبور والنحلة بين سيبويه من أهل البصرة والكسائي من أهل الكوفة، وكان الكسائي يعلم الأمين بن الرشيد، وكان الأمين ينصره باعتبار أن انتصاره انتصار أهل الكوفة جميعا وهم أنصار الخلفاء.»
فقطع الناصر كلامها قائلا: «صدقت، صدقت، ولولا ذلك لم يتخذ الأمين كل وسيلة لقهر سيبويه، فإنه بعد أن ظهر للملأ أن الحق في جانبه أغرى ذلك البدوي على تخطئته والحكم للكسائي، فخرج سيبويه من بغداد وقصد بلاد فارس. لا شك أنهم ظلموه كما قلت تحزبا لأنصارهم الكوفيين. لله درك من حكيمة!»
الفصل الثاني والأربعون
الغناء
وكان سعيد في أثناء ذلك يوجه انتباهه إلى ما وراء ذلك الستار، لعله يسمع شيئا يهمه، فشعر بحركة، فأدرك أن الزهراء لا بد قد ملت سماع ذلك الحديث من فلسفة التاريخ، وأنها صارت شديدة الميل إلى سماع الغناء، فنظر إلى عابدة وأومأ إلى جيبها يشير إلى القانون الذي كانت تركبه وتعزف عليه، والتفت إلى الخليفة وقال: «إن الحكمة لا تحلو من فم المرأة يا أمير المؤمنين كما يحلو الغناء.»
فضحك الناصر وأشار إلى السقاة، فصبوا الأشربة من أباريق الفضة في أقداح الذهب، وقدموا للناصر ولسعيد، وأمر الجارية أن تشرب فاستأذنته في إعفائها من الشرب.
Unknown page