ثم أذنت له بتقديم رسالته عن ابن خلدون لنيل دكتوراه الجامعة، وذكرته بالعهد الذي قطعه على نفسه قبل أن يسافر من مصر وهو: ألا يقدم رسالة إلى جامعة أجنبية مهما يكن موضوعها إلا بعد أن تقرأها الجامعة المصرية وتأذن في تقديمها، وكان الصديق الكريم الدكتور منصور فهمي هو الذي اضطر الجامعة إلى أن تأخذ طلابها في أوروبا بأن يعطوا على أنفسهم هذا العهد.
والناس لم ينسوا بعد ما أثارت رسالة الدكتور منصور التي حصل بها على الدكتوراه من ضجيج وعجيج أثارا سخط الهيئات الرسمية أولا، وسخط الرأي العام بعد ذلك. واضطر الصديق الكريم إلى أن ينأى عن مصر قريبا من عام، ولا يعود إليها إلا حين اضطرته الحرب إلى أن يعود، وحيل بينه وبين التعليم في الجامعة أعواما، حتى إذا كانت الحركة المصرية سنة تسع عشرة وتسعمائة وألف، وما نشأ عنها من الأحداث ومن تحرر العقول، أذن له بما كان ينبغي أن يؤذن له فيه منذ أتم درسه في فرنسا، وكان ثروت باشا رحمه الله هو الذي أذن له في ذلك.
ولم ينس الفتى مساء يوم من الأيام جلس فيه بين زملائه إلى بعض الأساتذة في الجامعة حين كان طالبا، وإنه لمصغ إلى الأستاذ وإذا يد تمسه مسا رفيقا ثم تحاول إقامته مكانه، فيلتفت فينبئه صوت بأن الذي يريد أن يقيمه هو علوي باشا، فيستجيب الفتى لهذه اليد وهو يشفق في نفسه من بعض الشر، فهو قد أقيم مرة من درسه في الأزهر مع صاحبين له ليقدما للمحاكمة أمام شيخه الأكبر الشيخ حسونة رحمه الله. وقد سأل الفتى إلى من سيقدم، وفيم يمكن أن يحاكم هذه المرة، ورأى الفتى نفسه قد أجلس على كرسي وقيل له: إنك أمام مجلس إدارة الجامعة، وإن المجلس يريد أن يسألك عن بعض الأمر، وإذا صوت رقيق يتحدث إليه في رفق، فينبئه أولا باسمه: عبد الخالق ثروت، ويسأله بعد ذلك عن حكم الدين في أشياء تليت عليه من رسالة لطالب من طلاب الجامعة في أوروبا.
قال الفتى: فإنه لا يملك الإفتاء في أمور الدين.
قال محدثه: فإنا نريد أن نعرف رأيك.
قال الفتى وهو يبسم في شيء من غضب ساخر: كنت أظن أنني في الجامعة حيث لا يحاسب الناس على آرائهم، فإذا أنا أراني في الأزهر لا أسأل عن رأي نفسي وإنما أستفتى في رأي غيري من الناس.
قال صوت غليظ: رده يا علوي باشا إلى درسه فلن نأخذ منه شيئا.
ورد الفتى إلى درسه لم يصحبه في عودته علوي باشا وإنما صحبه خادم من خدم الجامعة.
ومنذ أثار الدكتور منصور ذلك الضجيج أقامت الجامعة نفسها رقيبا على رسائل طلابها، وأخذت عليهم العهد ألا يقدموا رسائلهم إلى الجامعات الأجنبية حتى تأذن لهم هي في ذلك بعد أن تقرأ الرسائل وتقرها. فلما استأذنها الفتى في تقديم رسالة عن ابن خلدون ذكرته بعهده ذاك، فوفى به وأرسل نسخة من الرسالة بعد أن أتمها، وأحالها مجلس الإدارة إلى الأستاذ أحمد لطفي السيد فقرأها ورضي عنها، وأذنت الجامعة في تقديمها إلى السوربون.
ولم ينقض شهر يوليو من ذلك العام حتى كان الفتى قد نجح في الليسانس من جهة، وأذنت له السوربون في طبع رسالته توطئة لمناقشتها بعد الصيف.
Unknown page