وقد أتيح له النجح ... وكان الأستاذ الدكتور صبري السوربوني هو الذي أقبل ذات مساء فرحا يكاد يخرجه الفرح عن طوره، مكدودا يقطع الإعياء تنفسه لشدة ما جرى بين السوربون وبين بيت الفتى، ولشدة ما أسرع في صعود السلم إلى بيت الفتى في الطبقة السادسة، فلم يكد يفتح له الباب حتى أعلن لمن فتحه له أن زميله قد ظفر بدرجة الليسانس، ولم يدخل وإنما رجع أدراجه ولم يرد أن يستريح.
وكان الزميل الكريم قد تقدم للامتحان، ولم يكن ينظر في النص اللاتيني حتى طواه وقدم صحفه البيضاء ضاحكا متمثلا ببيته اللاتيني ذاك الذي يصور اليأس والقنوط، فكان رائعا حقا أن يكون ابتهاجه بفوز زميله بهذه الدرجة العسيرة أملك له وأشد استئثارا به من إخفاقه هو في الامتحان!
وألقى نبأ النجح إلى الفتى، فلم يصدقه حتى صحبته خطيبته إلى السوربون وقرأت له اسمه بين أسماء الناجحين، ثم لم تعد به إلى البيت حتى حجزت أمكنة للأسرة كلها في بيت موليير تكافئ بذلك صديقها وخطيبها على هذا النجح الذي لم يكن مرتقبا.
وأصبح الفتى من غده فأبرق إلى الجامعة، ولم يمض يومان حتى أبرقت إليه الجامعة تهنئه وترسل إليه مكافأة قدرها عشرون جنيها.
في ذلك اليوم قرر الخطيبان أن يتما زواجهما قبل رحلة الصيف إلى الجنوب.
الفصل السادس عشر
طلب تأجيل الامتحان للزواج!
وكان أمر الفتى في عامه الدراسي ذاك عجبا كله، فهو لم يتهيأ لامتحان الليسانس وحده على ما فيه من عسر ومشقة، وإنما جعل يعد رسالته للدكتوراه عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية. فقرأ لذلك ما شاء الله أن يقرأ في اللغتين العربية والفرنسية، وترجمت له نصوص أخرى من لغات أوروبية مختلفة، ثم أخذ في إملاء رسالته، يقول هو وتكتب صاحبته، وتقوم في أثناء ذلك ما يعوج من لغته الفرنسية. ولا يكاد يفرغ من إملاء فصل من فصول هذه الرسالة حتى يعيد قراءته، ثم يعرضه على أستاذه المستشرق الفرنسي كازانوفا، فإذا أقره أخذ في إملاء الفصل الذي يليه. ولم تكن الجامعة قد فرضت عليه هذه الرسالة، بل لم يكن بين هذه الرسالة وبين برنامجه الدراسي سبب؛ فهو قد أرسل ليدرس التاريخ، وكلف الحصول على درجة الليسانس، وتطوع هو بهذه الرسالة لأنه سمع دروس الاجتماع التي كان يلقيها الأستاذ دوركيم، فشغف بهذا العلم أي شغف، وأراد أن تكون له مشاركة فيه، وأن يشرف الأستاذ على هذه المشاركة. فاتفق معه على موضوع الرسالة، وعلى أن يكون هو مشرفا عليها من الناحية الفلسفية، وأن يشاركه في الإشراف مستشرق يحسن العلم بالشئون العربية والإسلامية، فكان كل فصل من هذه الرسالة يقرؤه أستاذان؛ يقرؤه الأستاذ المستشرق أولا، ثم يقرؤه الأستاذ دوركيم بعد ذلك.
ولما استقام أمر هذه الرسالة للفتى كتب إلى الجامعة ينبئها بما صمم عليه، وبأن هذا لن يغير من برنامجه المرسوم شيئا، بل ينبئها بأنه يزمع أن يضيف إلى هذا البرنامج المرسوم شيئا آخر: يريد - إن ظفر بالليسانس - أن يظفر بالإجازة التي تليه، وهي دبلوم الدراسات العليا. واستأذن الجامعة في أن يتهيأ لنيل درجة دكتوراه الدولة في التاريخ، على أن ذلك يستلزم أن تمتد إقامته في أوروبا أربعة أعوام بعد حصوله على الليسانس والدبلوم.
فكتبت إليه الجامعة تأذن له بنيل الدبلوم إن استطاع بعد الليسانس، وتعفيه من دكتوراه الدولة في التاريخ؛ لأنها تطيل إقامته في أوروبا وتكلف الجامعة من النفقات أكثر مما تطيق.
Unknown page